القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية وقعت في حبه مجددآ الفصل الثالث

 

رواية وقعت في حبه مجددآ   الفصل الثالث

رواية وقعت في حبه مجددآ 

الفصل الثالث 

إستيقظت على صوت رنين هاتف صاخب، همّت بالجلوس على الأريكة حيث كانت نائمة، و عيناها لاتزالان مغلقتان. كان عقلها يعمل على حلّ لغز واحد في تلك اللحظة. من هو صاحب ذلك الهاتف ذي الرنة المزعجة؟


إنكمشت تقاسيم وجهها، و هي تحاول فتح جفنيها بصعوبة بالغة. همست لنفسها.

- سأقتله.


قامت من على الأريكة، فتقدّم نحوها بابتسامة لطيفة، هاتفه الذي لايزال يرنّ في يد، و فنجان قهوة في يده الأخرى. مدّ لها الفنجان ثم قال بصوتٍ صَاحَبته بحّة ظريفة.

- صباح الخير.


حدقت به بتعبير غير مفهوم، ثم ألقت نظرة على كوب القهوة.

- أظنك.. لا تزالين تحبين كوب قهوة خفيفة في الصباح، و بدون سكر.


رفعت بصرها إليه، فإرتبك.

- أقصد..


قاطعته بصوت متعب هادئ، بعد أن أخذت كوب القهوى من يده.

- لا أزال أعاني كل صباح قبل أن أستيقظ كعادتي. و لا أزال أحب تناول كوب قهوة خفيفة بدون سكر.


إبتسم لها، فأطرقت بعينيها متجاهلة إبتسامتة.

- شكرا لك.


ثم تركت موقفها و دخلت الحمام. و ما أن أغلقت الباب خلفها حتى سمحت لشفتيها برسم ضحكة صغيرة، ثم واسعة. حاوطت فنجان القهوة بكلتا كفيها فشعرت بدفئه يسري في راحة يديها، ثم همست لنفسها.

- لا يزال.. صوته الصباحي.. لطيفا.


تنهدت، ثم إختفت ضكتها تدريجيا، إلى أن أصبحت إبتسامة صغيرة حزينة.


***


إحتست قهوتها، و تناولت طبق عجّة بيضٍ بقطع الفطر و الجبن الذي أعده آدم لأجلها.


كانت لاتزال تتناول فطورها عندما خرج من الغرفة، وهو يرتدي بذلة، لكن كالمعتاد، على طريقته الخاصة.


كان يرتدي قميصا أسودا، و كعادته، يترك زرّي قميصه الأول و الثاني مفتوحان، بعد أن يجرّب كل ربطة عنق يملكها، و عندما يدرك أنه لن يتحمل إرتداءها، يخلعها و يترك الأزرار الأولى مفتوحة، ثم يطوي أكمامه قليلا و يرفعها بحجة أن الأكمام الطويلة تزعجه. كما إرتدى سروالا أسود يناسب ساقيه. و كعادته، يحمل السترة و لا يرتديها إلا عندما يموت بردا. كانت طريقته في إرتداء البذلة متمردة، لكن مثيرة.


ضغطت على شفتيها لتمنعهما من الضحك، عندما تذكرت قصصه مع الملابس الرسمية. كان و لا يزال ذلك الشاب الذي لا يكترث لما سيقوله الآخرون عن أسلوبه و عن منظره.


دخل المطبخ، تناول قنينة ماء و كأسا، ثم سأل في تردد وهو يسكب بعض الماء لنفسه.

- تجربة الأداء.. أ ليست.. اليوم؟

أومأت.

- لا تزال أمامي ساعة لأستعد.


هزّ رأسه متفهما ثم شرب من كوبه. نظفت حلقها، ثم سألت بدورها وهي تشير إلى بذلته.

- أ لديك.. موعد مهم اليوم؟


هزّ رأسه نفيا.

- فكرت وحسب في إرتداء البذلة، لكن كالعادة.. ينتهي بي الأمر هكذا.


ضحك ضحكة مكتومة ثم أضاف قائلا.

- لا أستطيع أن أرتديها كما يجب. كما أنه تأخر الوقت على تغير ملابسي بأخرى.


بادلته بنفس ضحكته ثم أضافت على كلامه.

- لم تكن يوما ممن يكترث لما يجب على الأمور أن تكون عليه. لستَ من محترمي القوانين على أية حال.

- تماما.


أطال كلاهما النظر إلى الآخر، و في لحظة من اللحظات أرخت روز بعينيها على المائدة. فتح آدم شفتيه و كأنه يرغب في قول شيء ما، لكنه بدل من ذلك عضّ على شفته السفلى  و كأنه يمنع نفسه. تجرع ما تبقى في كأسه من ماء، ثم إستأذن منها ليغادر.


راقبته حتى خرج من الشقة، و عندها فقط، فتحت ثغرها و همست.

- أراك لاحقا.


***


دخلت قاعة الإنتظار الواسعة الممتلئة بالناس، من مختلف الأعمار و الأجناس، كل يحمل رقما على قميصه. بعضهم جالس، و أخرون واقفون أو يتمشون. بعضهم يتدرب على الغناء، و آخرون على التمثيل، و آخرون على الرقص. ألقت نظرة سريعة على وجوه المتشاركين، فوجدت فيها إنعكاسا لمشاعرها التضاربة في تلك اللحظة. تردد و توتر، و خوف و حماس.


شقت طريقها نحو مقعد فرغ، و هي في فستان وردي متوسط الطول، ظريف الشكل. كان شعرها البنفسجي مصففا على شكل كعكة، و وجهها مزين بالقليل من المساحيق. بدت جميلة للغاية، و كأنها أميرة خرجت من قصص الأطفال.


جلست، أطبقت جفنيها ثم إستنشقت نفسا. همست لنفسها.

- كل شيء سيكون بخير. كل شيء.. سيكون بخير.


تفقدت ملابسها بكلتا يديها لتطمئن على مظرها، و على الورقة الملتسقة بفستانها التي تحمل رقمها. في تلك اللحظة إقترب أحدهم من مقعدها، ثم سأل وهو يشير الى المكان الفارغ بجانبها.

- أ يمكنني الجلوس؟


رفعت بصرها إليه، فلمحت شابا في نفس عمرها، أشقر له عينان زرقاوتان سمويتان حادتان نوعا ما، و على محياه إبتسامة واسعة، تجعل ملامح وجهه الجميلة أكثر ظرافة و جمالا. إبتسمت له بدورها ثم أومأت.

- تفضّل.

- شكرا لك.


جلس، ثم وضع محفظته أرضا. إستنشق بعض الهواء، ثم زفره في هدوء ليريح صدره. سألها.

- أول مرّة لك هنا؟


إكتفت بإيماءة صغيرة، فردّ عليها بنبرة متحمسة طغت على صوته الرخيم.

- و أنا كذلك.


ضحكت في صمت وهي تدرس ملامحه المنبسطة الشبيهة بملامح طفل فتح لتوه هدية عيد ميلاده. فبادلها نفس ضحكتها قبل أن يستفهم قائلا،

- هل من شيء.. غريب.. على وجهي؟


هزّت رأسها نفيا.

- أبدا. لا شيء.


إبتسمت ثم مدت يدها لتصافحه.

- إسمي روز.


مدّ يده ليصافحها، محتفظا باتصال عيونهما.

- تشرفت بمعرفتك. أنا إيان.

- تشرفت بمعرفتك أيضا، إيان.


جلسا يتحدثان لمدة، عن التمثيل، تجربة الآداء، و الأفلام القادمة التي ستُنتَج، و التي يتمنيان لو يصبحان جزءا منها.

- أنتَ متأكد؟

- متأكد. تجربة الأداء هذه هدفها، العثور على وجوه جديدة لأحد الأفلام، و ليس فقط للحصول على متدربين جدد.

- هذا رائع!

- بل أكثر من رائع! يجعلني التفكير في الأمر متحمسا للغاية.

- إذا، ترغب بالحصول على دور في الفيلم؟

- بالطبع.


ثم أضاف بنبرة تشير إلى رغبته القوية في الحصول على الدور.

- دور البطولة.


إنفجرت شفتا روز عن ضحكة منبهرة، ثم أضافت على كلامه.

- و لما لا! تستطيع ذلك.


دنى منها ثم سأل.

- ترغبين في معرفة سرّ؟


دنت بدورها وهي تصطنع ملامح جادة، محاولة التوقف عن الإبتسام.

- أي السرّ؟ يبدو مهما.

- عندما ترغبين في الحصول على شيء معين، يجب عليك أن تصدق أنه لك، حتى قبل أن تحصلي عليه.


تقلصت إبتسامتها تدريجيا لتصبح صغيرة، لحظة تذكرت كلام راشيل لها يوم قررت الاستسلام و العودة إلى أستراليا.


يومها رددت صديقتها على مسامعها مرارا و تكرارا بأنها لا يجب أن تستسلم بسهولة و تترك حلمها. و فسرت لها قائلة بأنه عندما نقع في حب شيء ما، أو حتى شخص ما، فلا يمكن لذلك أن يكون مجرد مصادفة. لا وُجود للمصادفات في هذه الحياة. ثم ذكّر كيف وجدت حلمها، و كأن الله وضع علامات في طريقها ليُريها مهمتها على وجه هذه الأرض، إلى أن جعلها تقع في حب التمثيل. ثم أكدت لها بأنه قدرها، و لذلك بالضبط لا يجب أن تهرب منه خوفا. بل على العكس، يجب أن تثق بأنها عندما ترغب في شيء ما، فستحصل عليه، و أن تثق بأنها حصلت على ما ترغب فيه، حتى و إن لم يكن لها بعد، لأن حبها الجمّ لذلك الشيء وحده، برهان على أنه جزء من حياتها و قدرها. إنه لها.


أومأت روز.

- شكرا على تذكيري بالأمر. إنها.. نصيحة فريدة من نوعها.

- إنها كذلك. لكن نادرون هم الذين يؤمنون بها.


هزّت رأسها ثم قالت في بعض من الشرود.

- ربما الكثيرون يؤمن بوجود الله، لكن قليلون هم الذين يؤمنون بقدرته على منحهم ما يرغبون فيه.

الفصل الرابع

تعليقات