القائمة الرئيسية

الصفحات

المجد للقصص والحكايات رواية وقعت في حبه مجددآ الفصل السادس

المجد للقصص والحكايات رواية وقعت في حبه مجددآ الفصل السادس


المجد للقصص والحكايات

 رواية وقعت في حبه مجددآ 

الفصل السادس 

شرعت سارة  في تضميد يد آدم.
- على أي، لم تكن إصابة خطيرة. لكن مع ذلك، إعتني بيدك جيدا إذا كنت ترغب في أن تشفى سريعا.

و ما هي سوى ثوان حتى إنتهت من تضميد يده.
- شكرا جزيلا لك.
- لا عليك. إنه واجبي كممرضة.
- هذا يعني.. أنه يجب علي دفع ثمن الخدمة التي أديتها.

ضحكت ثم هزّت رأسها نفيا.
- لا حاجة لذلك.

تقدمت روز الأرائك حيث يجلسان، وهي تحمل صينية بها فنجانين من الشاي. وضعت أحدهما أمام سارة، و الآخر أمام آدم، ثم تربعت بجانب صديقتها و قالت موجهة كلامها إليها.
- على الأقل إقبلي دعوتي لشرب كأس من الشاي.

تبسمت سارة.
- شكرا لك.

إقترح آدم بعد أن تفحص يده المضمدة.
- و أنا سأدعوك للعشاء اليوم، و سأعده بنفسي.

عقدت روز حاجبيها.
- ستعدّ العشاء؟ بتلك اليد المحترقة؟

أجاب محاولا الدفاع عن نفسه.
- ليست بإصابة خطيرة! كما أن يدي مضمدة. و سأكون حذرا. و يجب علي أيضا التدرب على وصفتي الجديدة.

تأففت روز.
- ما رأيك بالغد؟ أو بعد غد؟ لايزال هناك وقت. أنت تدرك ذلك. لن يهرب المطبخ إلى أي مكان!

أضافت سارة على كلام روز، ضاحكة.
- من الأفضل أن تتركَ يدك ترتاح اليوم. أما بالنسبة للعشاء فأنا أقبل دعوتك، لكن ليس اليوم.

تبادل آدم و سارة نظرات هادئة لبضع ثوان ، ثم تبادل و روز نفس النظرات أيضا. رفع كلتا يديه مستسلما.
- فهمت. فهمت! لن ألمس شيئا اليوم.

كتمت كلتا الفتاتان رغبتهما في الضحك، وهما تراقبان إنزعاجه الواضح لحظة قام واقفا، ثم غادر قاصدا غرفة نومه.
- لن أقترب من المطبخ. سأخلد إلى النوم! هذا أفضل.

نادت عليه سارة ثم قالت،
- لا تنسى أن تغير الضمادة قبل النوم.
- حاضر! سمعا و طاعة يا آنسة.

ثم دخل الغرفة و أغلق الباب خلفه. ضحكت كلتا الفتاتان من تصرفه الطفولي.
- أ رأيتي مع من علقت في هذه الشقة؟
- رأيت!

ثم تساءلت بعد أن ترددت لبرهة.
- أ لا تزالين.. غاضبة منه؟

تقلصت إبتسامة روز.
- لم نتحدث في الأمر، و لا أرغب في الحديث عن ما جرى، لكن.. أجد نفسي مرتاحة برفقته، كما كنا سابقا.

دنت سارة من صاحبتها.
- أ لا تزالين تحملين مشاعرا تجاهه؟
- الحقيقة.. لا أدري.
- يبدوا آدم.. لطيفا و طيبا، و لا أظنه قصد جرح مشاعرك. إمنحيه فرصة ليشرح لك ما حدث. كلّميه و إسمعي ما لديه. عندها فقط يمكنك الحكم عليه.

أومأت.
- سأفعل.

ثم أشارت إلى فنجان الشاي على المائدة أمام سارة.
- تفضلي. تناولي الشاي قبل أن يبرد.

***

خرجت روز من الحمام، و إتجهت نحو غرفة الجلوس بخطا بطيئة و هي تمسح وجهها بمنشفتها الصغيرة. في طريقها مرت على غرفة النوم و ألقت نظرة من خلال بابها المفتوح. تقدمت عندما لاحظت أن المصباح الذي بجانب السرير يشع نورا، و آدم نائم، غائب عن الوعي تماما، يحتل جسده السرير بكامله، رغم أن السرير لشخصين. كان عاري الصدر، قميصه و غطاه مرميان على الأرض، و لا يرتدي سوى سروال قصير.

همست لنفسها و هي واقفة عند الباب، تراقب الصورة أمامها.
- نائم؟ هكذا؟ و المصباح يعمل، و الباب مفتوح على مصرعيه. هو في جهة و الغطاء في جهة! من قال أن البشر يتغيرون كذب بحق. لم يتغير ولو بربع درجة!

دخلت الغرفة بخطوات حذرة كي لا توقظه. دنت من المصباح على الدرج قرب السرير و مدّت يدها لتطفئه، لكنها تراجعت عن ذلك عندما إنتبهت إلى يد آدم المضمدة.
- و لم يغير الضماد أيضا!

تنهدت في إستسلام.
- لا أظنه غسل أسنانه كذلك.

وقفت تراقبه لمدة.

كان نائما كما ينام الأطفال، و شفتاه ممفتوحتان بعض الشيء. إبتسمت لظرافة منظره لوهلة، لكن سرعان ما إختفت إبتسامتها عندما إستيقظت من شرودها فيه، و هزت رأسها ثم نظفت حلقها في هدوء. خرجت من الغرفة و غابت لمدة، ثم عادت وهي تحمل علبة الأدوية في يدها. تربّعت على السرير بجانب يده المضمدة، ثم وضعت العلبة على الدرج. فتحتها، و أخرجت منها ما تحتاجه من أدوات.

تفحصت ملامحه النائمة لتتأكد من أنها لم توقظهُ، ثم حملت يده بين كفيها بلطف و وضعتها في حجرها. رفعت بصرها إلى وجهه للمرة الثانية لتتأكد من أنه لا يشعر بوجودها، ثم أخيرا خلعت الضماد عن يده. تفقدت الحروق الطفيفة في كفّه، عقّمتها، شرعت في تضميدها من جديد. و بمجرد أن إنتهت، حرّك أصابعه، فكاد قلبها يتوقف، و كأنها كانت في مهمة سرية و قد كُشف أمرها.

لمس آدم أصابع روز، ثم حاول أن يمسك يدها برفق. إبتلعت ريقها، ثم رفعت عينيها المرتبكتين إلى عينيه المتعبتين النائمتين، فتعانقت نظراتهما طويلا. إبتسم إبتسامة صغيرة و هو يفتح جفنيه بصعوبة، ثم همس بصوت خافت صاحبته بحة لطيفة.
- شكرا لك.

أومأت له روز بمثل إبتسامته، ثم همّت بالوقوف. و قبل أن تفلت يده، همس لها.
- إبقي قليلا.

عادت للجلوس في صمت، أرخت بصرها إلى أصابع يده التي تحاول المسح على ظهر يدها المتعبة، ثم إلتقطت نفسا سريعا و قصيرا.
- تبدوا.. متعبا.

تنحنحت، ثم أتممت كلامها و هي تتردد عند كل كلمة.
- سأذهب الآن.. لأتركك.. ترتاح.

إستعدت للوقوف مجددا، لكنه مدّ يده السليمة إلى معصمها، دون أن يقول شيئا. إلتفتت إليه منتظرة منه كلمة، لكنه إكتفى بضمّ يدها بكلتا كفيه، ثم أطبق جفنيه.
- لقد تأخر الوقت. علي الذهاب للنوم.

رد عليها بصوت نعس دون أن يفتح عينيه.
- يمكنك النوم هنا.
- مزاحك ثقيل!

تحركت جفناه ببطئ فجكشفتا عن بؤبؤتيه العسليتين الهادئتين.
- لم أكن أمزح.

قلبت عينيها و تأففت و كأنها تعبر بذلك عن إنزعاجها منه، ثم جلست تراقب أصابعه  و هي تمسح على يدها برفق. تبسم وهو لا يزال مستلقيا يتأمل ملامحها المرتبكة.
- شكرا لك. على كل شيء.

ردت على كلامه متفادية النظر إليه.
- لم أفعل شيئا.

إنبسطت شفتاه، فرفعت بصرها إليه عندما شعرت بعينيه تتفحصان وجهها طويلا. تبادلا النظرات في صمت لثوان، ثم أخيرا إستفهمت.
- لما.. لماذا تركت إيطاليا؟ كنت على وشك فتح مطعمك الخاص. ما الذي حدث؟

إختفت إبتسامته تدريجيا، إستنشق نفسا، إستلقى على ظهره ليحدق بالسقف لمدة، ثم أخيرا فتح شفتيه.
- فشلت في إدارة المطعم. هذا كل شيء.
- أ هذا كل شيء؟

إلتفت إليها.
- بعد زيارتك لي في إيطاليا، و بعد ما حدث، فقط.. فشلت. فشلت في كل شيء.

عمّ الصمت لمدة، قبل أن تقول.
- لم يحدث شيء. قمت بما شعرت بالرغبة في القيام به.

بعد سماعه لكلماتها، رفع جسده معتمدا على يده السليمة و جلس، ثم أشار لها بالجلوس بجانبه. و بعد تردد منها، تربعت بقربه ثم أسندت ظهرها للوسادة.
- يوم عدتي لشقتي  في إيطاليا لتُوَدّعيني، كنت مع إبنت رئيس المطعم الذي أعمل فيه. كنا نتحدث عن مطعمي الذي سأفتحه، و بما أنها هي التي تدير مطعم والدها، إقترحت علي مساعدتي في إدارة مطعمي كذلك. كنت أعلم أنها تحمل مشاعر تجاهي، لكنني لم أشعر تجاهها بشيء، و لو لدقيقة واحدة.
- لماذا.. قبّلتها إذا؟
- لم أقبّلها. هي قبّلتني. و لن.. أنكر أنني بادلتها.
- و لما فعلت ذلك؟

تنهد.
- لا أدري. ربما.. ربما لأنكِ كنت ستغادرين، و كنت سأبقى وحدي مجددا. كنت.. مضطرب المشاعر بشكل غير مفهوم. لا أظنني فكرت في تلك اللحظة. كل ما فعلته هو مشاركتها، و لم أستفد من ذلك شيئا.
- إبنت رئيس المطعم.. أ هي تلك الفتاة.. تلك المتوحشة التي صفعتني ذلك اليوم؟

أومأ وهو يعض على شفته منعا لنفسه من الضحك، فرفعت حاجبا في استغراب.
- أ تضحك؟ ما المضحك في الأمر؟
- تلك.. المتوحشة؟!
- أ هذا ما يضحكك؟

أومأ وهو لا يزال يحاول جاهدا الامساك عن الضحك.
- لو أمسكتِ بها، لأدركت أنها، مقارنة بك، ليست بمتوحشة حقا.
- أ تقول أنني متوحشة؟
- أبدا.

أمسكت بالوسادة التي كانت خلف ظهرها، و ضربته بها على وجهه. إرتمى إلى جانب السرير وهو مستلق على ذراعه، يضحك من ردّة فعلها. رفعت روز الوسادة مجددا لتضربه للمرة الثانية، وهي تحاول كتم رغبتها في الضحك، ثم رمت بالوسادة عليه بغضب مصطنع.
- أ ليس ما فعلته لتو دليلا قاطعا على طيبتك؟
- توقف!
- آسف!

عاد ليجلس بجانبها، و ضحكته بدأت تتقلص شيئا فشيئا.
- لقد.. عادت إلى بلادها، و لم يعد بيني وبينها شيء على الإطلاق. كانت شريكتي في المطعم. أما الآن فلا شراكة بيننا.
- إذا، لمدّة خمس سنوات، كنت تدير المطعم برفقتها.
- بل ثلاث سنوات و نصف، ثم عدت إلى نيويورك. سألت عنك، فأخبرتني راشيل بأنك عدتي إلى أستراليا. أردت الإتصال بك لكنني.. لم أجرء على ذلك.

سكت لثانية ثم أتمم.
- عملت في نيويورك لمدّة، ثم أخيرا تلقيت إتصالا من صاحب المطعم الذي أعمل فيه حاليا. كان قد زار مطعمي في إيطاليا. و عندما علم بأنني هنا في أمريكا، دعاني لأعمل في مطعمه هنا في لوس أنجلوس.

ثم خيّم الصمت عليهما عندما سكت. إلتفت إليها.
- دورك.
- دوري؟
- لما عدتي إلى أستراليا آن ذاك؟
- فقط.. إستسلمت. بدى لي كل شيء و كأنه مستحيل. خسرتك، فشعرت و كأنني سأخسر حلمي كذلك قريبا. لذلك.. إستسلمت. عدت إلى بلادي، و عملت في متجر والدي حيث يبيع الأزهار لمدة سنتين. و لأكون صادقة، كان ذلك مريحا.

تبسمت.
- أستطيع حقا أن أعيش بين الورود و الأزهار للأبد!

إبتسم لكلامها.
- و لماذا عدتي؟ أقصد.. ما الذي جعلك تحاولين مجددا؟
- أراد مني أبي أن أحاول مجددا. قال أنني أستحق أن أعيش حلمي، تماما كما عاش حلمه، برفقة حبِّه. أمي.

بادلها نظرات هادئة، ثم همس.
- رحمة الله عليها.

إكتفت بإيماءة و إبتسامة صغيرتين، فبادلها بأجمل و أدفأ منها، وهو يتأمل عينيها.

الفصل السابع

تعليقات