القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية وقعت في حبه مجددا الفصل الاول


رواية وقعت في حبه مجددآ

الفصل الاول

ماذا لو إخترعنا طريقة أخرى في الحب؟
لماذا لا نبدأ من الخاتمة؟
نفترق، ثم نلتقي للأبد.

فرناندو بيسوا

***

لا تكسر أبدا كل الجسور مع من تحب،
فربما شاءت الأقدار لكما يوما لقاءً آخر.
يُعيد ما مضى، و يوصل ما إنقطع،
فإذا كان العمر الجميل قد رحل،
فمن يدري، ربما ينتظرك عمر أجمل.

ويليام شكسبير
هرولت نحو المصعد المفتوح، و هي تجُرّ حقيبة ملابسها بيدٍ، و تحمل علبة حلويات بيدها الأخرى في حذر. صرخت طلبا لإنتباه ركاب المصعد إليها.
- من فضلكم. أحدكم. فليوقف المصعد رجاءً.

إنتبهت شابة شقراء تقف قرب الأزرار إلى المسرعة نحو المصعد، فضغطت على زرّ و منعت الباب من الإنغلاق. دخلت صاحبة الحقيبة، شكرت الفتاةَ بابتسامة واسعة، ثم وضعت حقيبة ملابسها أرضا، لحظة إنغلق الباب.
تفقدت علبة الحلوى، و هي تتمتم لنفسها.
- أرجوا أن تكون قطع الحلوى بخير!

رفعت عينيها عن العلبة و إتلتفت إلى الشقراء بجانبها، و التي كانت تشير إلى لوح مفاتيح المصعد، متسائلة،
- في أي طابق ستنزلين؟
- الخامس.

تبسمت الشقراء.
- الطابق نفسه الذي أسكنه إذا.
- تسكنين هنا؟

أجابت بايماءة ثم سألت.
- و أنتِ؟

أضافت مشيرة إلى الحقيبة.
- في زيارة لأحدهم؟
- نوعا ما. سأبقى هنا لبضعة أشهر عند صديقة لي.
- جميل.

تَوقف المصعد، و فُتِحت الأبواب، فنزلت الشابتان. بادلت كل منهما للأخرى إبتسامة لطيفة. ثم مدّت الشقراء يدها طلبا للمصافحة.
- بالمناسبة، إسمي سارة.
- أنا روز.

تصافحت الشابتان.
- إذا، أراك لاحقا؟

أومأت سارة.
- بالطبع. أسكن في الشقة رقم 501. إذا ما إحتجت أي شيء، أنتي و كذلك صديقتك، فلا تنسي، أنا جارتكما و مستعدة لتقديم المساعدة.

إفتر ثغر روز عن ضحكة لطيفة، فبادلتها سارة بنفسها.
- أراك لا حقا إذا.
- لاحقا.

غادرت الشقراء إلى شقتها وهي تلوح لِرُوز، و التي لاتزال واقفة مكانها، تلوح لصديقتها الجديدة، إلى أن إختفت عن ناظريها. إستنشقت نفسا، أمسكت بحقيبتها، و ضمت علبة الحلوى إلى صدرها في حرص، ثم تركت موقفها.
همست لنفسها.
- راشيل~ أنا قادمة.

***

إستقامت أمام باب شقة يحمل رقم 522. دقت مرة. ثم مرتين. لم يجب أحد، فقررت أن تدخل الرقم السري بلوح الأزرار بجانب الباب، فتفتحه و تدخل.

تساءلت و هي تضغط على الأزرار.
- أ تراها غيرت الأرقام؟ واحد، صفر، تسعة...

إنتهت من إدخال الرقم، ففُتِح الباب. دخلت الشقة وهي تنادي باسم صديقتها.
- راشيل. راشيل، أنتِ هنا؟

تركت حقيبتها بالقرب من المدخل، و إتجهت نحو المطبخ المفتوح على غرفة الجلوس، وضعت علبة الحلوى على المائدة، ثم أخرجت هاتفها من جيبها قصد الإتصال بصديقتها. كانت على وشك الضّغط على الرقم، عندما سمعت باب غرفة راشيل يُفتح. تبسمت ثم ركضت نحو الغرفة.
- نائمة؟! لم أكن أعلم أنكِ تنامين في مثل هذا  

الوقت...

إختفت أخر كلمة من بين شفتيها، و إتسعت عيناها الرماديتان عندما إلتقيتا بعينيهِ العسليتين الحادتين، و اللتان إتسعتا بدورهما لحظة أبصرتاها. فتح شفتيه النحيلتين الحمراوتين، ليهمس باسمها و كأنه لا يصدق وجودها أمامه.
- روز؟!

شهقت شهقة صغيرة ثم إبتلعت ريقها، و همست باسمه بنفس نبرته.
- آدم؟!
- ما الذي.. تفعلينه هنا؟
- ما الذي تفعله أنتَ هنا؟

إقترب منها وهو يحدق بعينيها، و كأنه يشك في أنها تقف أمامه حقا بشحمها و لحمها. تراجعت خطوتين إلى الخلف و كسرت إتصال نظراتهما، فانتبهت إلى جسده، ذراعيه، صدره و عضلات بطنه البارزة. لم يكن يرتدي سوى سروال فضفاض قصير، يغطي ساقيه إلى الركبتين، و قدماه حافيتان.

أطبقت جفنيها عندما تحدث صوتها الداخلي قائلا،
"كعادته! لم يتغير قط."

عادت إلى المطبخ، فلحق بها.
- لم تُجيبي بعد، ما الذي تفعلينه هنا؟

إلتفتت إليه دون أن ترفع بصرها إلى وجهه.
- أنا هنا لزيارة راشيل.

إرتسمت إبتسامة إستغراب على محياه.
- أنتِ تمزحين؟

رفعت حاجبها الأيمن.
- أمزح؟
- راشيل في باريس. منذ شهر.
- أظن أنك يمزح الآن!
- أ يبدوا لك أنني أمزح؟

أخرجت هاتفها مجددا لتتصل بصديقتها، ثم سألته و هي تبحث عن رقمها.
- و أنت؟ ماذا تفعله هنا؟
- أنا هنا منذ شهر.

رفعت نظرها عن هاتفها إليه مستفهمة.
- أ لم تكن في إيطاليا طيلة هذه السنوات؟
- صحيح. لكنني عدت.
- لما لم تعد إلى نيو يورك إذا؟
- لأنني حصلت على عمل هنا، في لوس أنجلوس.

تنهدت في نوع من الإنزعاج، ثم حوّلت نظرها إلى شاشة هاتفها مجددا. سأل، وهو يدرس ملامحها.
- سمعت أنك.. تركت التمثيل، و عدتِ إلى أستراليا.

ضغطت على رقم راشيل، رفعت الهاتف إلى أذنها، ثم نظرها إليه لتجيبه كما أجابها قبل قليل، لكن بنبرة متهكّمة.
- صحيح! لكنني عدت.

ضحك ضحكة صامتة ساخرة رغبة في الرّد على تهكمها.
- و لما لم تعودي إلى نيويورك؟

- لأنني حصلت على فرصة هنا، في لوس أنجلوس!
- جميل!

أجابت راشيل أخيرا على الهاتف، فردّت عليها روز دون أن تكترث لوجود آدم.

- مرحبا، راشيل. أخيرا وجدتك.
- روز! كيف حالك؟
- أنا بخير، بخير. وأنت؟
- بألف خير. ما الأمر؟ يبدوا صوتك متوترا.
- أنا في لوس أنجلوس. في شقتك. و آدم هنا. يقول إنك في باريس؟ حقا؟
- روز! لما لم تتصلي بي قبل المجيء؟
- أردت أن أفاجئك.

قهقه آدم في نوع من الاستهزاء وهو يسير نحو مائدة المطبخ. رمته روز بنظرة حادة، فرفع كلتا يديه و كأنه يعلن إستسلامه أمام مسدس يهدد حياته، ثم همس لها بنبرة مستفزة.
- آسف؟

أطبقت جفنيها، زفرت لتفرغ صدرها الذي إمتلأ غيظا، ثم عادت إلى مكالمتها مع راشيل.
- متى ستعودين إذا؟
- ليس قريبا.
- حقا؟
- أنا هنا بسبب العمل، لذلك لا أستطيع العودة الآن.
- ماذا أفعل الآن؟
- ما الذي تفعلينه في لوس أنجلوسعلى أية حال؟
- أتيت لأجل تجربة آداء، لذا فكّرت في أن أقيم معكِ هنا لبعض الوقت.
- يمكنك البقاء في شقتي.
- و آدم؟

رفع بصره عن علبة الحلوى إليها عندما سمع إسمه، و هو يمضغ واحدة.

أجابت راشيل.
- أدرك جيدا أن ما كان بينكما لم ينتهي على خير، لكن يمكنكما إيجاد حل حتى يجد أحدكما شقة يقيم فيها.

تنهدت روز في ضيق، ثم أجابت بصوت منخفض كاد يصبح همسا.
- مستحيل! لا يمكنني..

و قبل أن تكمل كلامها، شعرت بهاتفها يغادر أصابعها. إلتفتت إليه فرماها بابتسامة لم يبدل مجهودا في إصطناعها، ثم رفع هاتفها إلى أذنه.
- راشيل~
- آدم~
- كيف حالك؟
- بألف خير.
- جيد! هل لي أن أسألك، ما الذي يجب علي فعله بضيفتك هذه؟
- أحسن ضيافتها.

سحبت روز هاتفها و أخذه من بين أصابع آدم، ثم ضغطت على زر مكبر الصوت ليتمكن كلاهما من سماع راشيل، و التي أكملت قائلة.
- جدا حلا و إستخدما شقتي، إلى حين ينتقل أحدكما.

قهقه آدم في نوع من السخرية.
- لن أستطيع الإنتقال قريبا!

أضافت روز في إنزعاج.
- و أنا وصلت لتوي! كيف لي أن أجد شقة بهذه السرعة؟

تأففت راشيل.
- إسمعاني. علي أن أذهب الآن، أنا مشغولة للغاية ولا أستطيع مساعدتكما الآن. أنتما صديقان. كنتما أكثر من صديقين. كفى عنادا، وجدى حلا يناسب كليكما. و روز، سأتصل بك لاحقا. علي الذهاب.
- حسنا.
- لاحقا؟
- لاحقا.

أنهت راشيل المكالمة، فخيم عليهما صمت مربك.
نظف آدم حلقه، ثم قال محاولا التخلص من ذلك الجو الغير المريح.
- الحلوى.. لذيذة.

عبست روز و قطبت جبينها، فسأل بملامح بريئة.
- ماذا؟
- أ ليس لك صديق آخر هنا في المدينة؟

إرتسمت إبتسامة جانبية على شفتيه، ثم ندى منها و ردّ عليها بنفس سؤالها.
- و أنتِ؟ أ ليس لك أصدقاء آخرون غير راشيل؟

أغلقت عينيها لبعض الوقت و كأنها تحاول بذلك تهدأة أعصابها، ثم فتحتهما لتصلهما بعينيه. قالت بلهجة قاسية و شبه غاضبة.
- أ يمكنك إرتداء قميص أولا؟ ربما عندها قد نتحدث و نحاول إيجاد حل!

إفتر ثغره عن ضحكة وهو يرفع كلا حاجبيه.
- قميص؟ هل يزعجك الأمر إلى هذا الحد؟
- أجل في الواقع! يزعجني.
- لا أذكر أن الأمر كان يزعجك قط!
- حقا؟ لا أذكر ذلك!

ثم زفرت في هدوء.
- بما أنني سأبقى هنا لمدة، فعليك إحترام وجودي.

أشاح بنظره بعيدا لبرهة، ضاحكا.
- أحترم وجودك؟ تمزحين؟
- و هل أبدوا لك و كأنني أمزح؟
- أدرك أنك لاتزالين غاضبة، لكن هذا لا يعني أنك تستطيعين توبيخي لسبب تافه، أو إختلاق مشكل من لا شيء!
- و ما أدراك أنني لا أزال غاضبة؟
- واضح وضوح الشمس!

إبتعدت عنه بضع خطوات بطيئة، ثم هرعت بعد ذلك إلى الحمام. دخلت، أقفلت الباب خلفها، ثم أسندت ظهرها للجدار، لتواجه إنعكاس صورتها على المرآة. تمتمت لنفسها وهي تحدق بملامحها المحتارة.
- إلهي، ماذا أفعل الآن؟

الفصل الثاني

****

الفصل الثاني 

تعليقات