القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية وقعت في حبه مجدداً الفصل الثاني

 
موقع المجد للقصص والحكايات

موقع المجد للقصص والحكايات

 رواية وقعت في حبه مجدداً 

الفصل الثاني

وقفت أمام باب الغرفة الوحيدة في شقة راشيل، مدت قبضتها في تردد، ثم دقت مرتين.
- آدم، أ يمكنك الخروج للحظة؟

أجاب صوته من خلف الباب بعد سكوت.
- تفضلي.

تنهدت، ثم فتحت الباب و دخلت.
قام من على السرير ثم تقدم نحوها، و قميص يغطي جسده هذه المرة، و في يده اليمنى كتاب يضع سبابته بين صفحاته محددا بذلك الجزء الذي وصل إليه. توقف عندما إقتربت منه، و بادل نظراتها الباردة بنظرات هادئة.
- ماذا هناك؟
- أحتاج خزانة أضع فيها ملابسي.
- آسف، و لكن.. كما ترين، الغرفة أصبحت نوعا ما غرفتي الآن، و الخزانة الوحيدة هنا بها ملابسي.

تبسمت ضاحكة ثم قالت في سخرية،
- لا تعتذر! فلا بد و أن هناك مكان لحاجياتي، أ ليس كذلك؟

أجاب و نبرته لاتزال هادئة تماما.
- ملابس راشيل لا تزال في الخزانة.
- حسنا!

تفقدت الغرفة بعينيها، فإنتبهت إلى رفوف المكتبة، حيث توجد بضع كتب. أشارت إليها.
- أ ليست الكتب لك؟ فلنزحها و لنضعها على المكتب. سأستخدم الرفوف كخزانة.
- تمزحين!
- أبدا!

أسرعت إلى الرفوف و شرعت في إزاحة الكتب و ترتيبها على المكتب. حاول أن يمنعها بكلمة في البداية، لكن بدل أن تتحرك شفتاه، تحرك جسده نحوها لحظة إنتبه إلى عنوان كتاب بين يديها. روميو و جوليت، للكاتب ويليام شكسبير.
مدّ يده ليأخذه منها، لكنها أبعدته قبل أن يصل إليه. سألت و هي تحدق بغلاف الكتاب في يدها.
- لماذا.. لاتزال تحتفظ به؟

لم يجب، فرفعت عينيها إليه. فتح شفتيه الحائرتين ليتحدث، لكنه لم ينطق و لو بحرف واحد و كأنه لم يجد الكلمات المناسبة ليجيبها، فأطبقهما.
إرتسمت إبتسامة جانبية على محياها.
- كان عليك التخلص منه!
- روز، أنا..

قاطعته قائلة،
- ماذا ستقول؟ ماذا؟ تعتذر؟ لا تفعل!

اقترب منها  ثم طلب قائلا،
- لما لا نجلس و نتحدث؟ سأشرح لك كل شيء.

دنت منه لتجعل المسافة بينهما بضعة سنتمترات.
- لا رغبة لي في الحديث. ثم إني لا أنتظر منك شرحا!
- روز، لما أنتي عنيدة هكذ..

قاطعته.
- سأخذ الكتاب، بما أنه كان لي. كما أنه سيكون من الغريب أن يراك  أحد تحمله معك! فكما تعلم، جعلك البعد تنسى من تحب، و تقع في حب شخص آخر. أنت لا تفهم، و لن تفهم قلب روميو! فأمثالك لا يموتون لأجل الحب.

ثم غادرت الغرفة بخطوات سريعة، لتعود إليها بحقيبتها.
وقف آدم يراقبها ترتب ملابسها على الرفوف لمدة. تنهد ثم إتجه نحو الباب. و في منتصف طريقه سمع صوتها ينادي بإسمه فإلتفت إليها. فإقتربت منه و هي تحمل كنزة سوداء اللون. قدمتها له.
- كنزتك. أعترف أنني لم أستطع رميها. لذا فلتأخذها، و افعل بها ما شئت.

حدق بالكنزة لثوان، ثم رفع بصره إليها. أطال النظر إلى عينيها القاسيتين، ثم أرخى بعينيه مجددا إلى الكنزة. أخذها من بين يديها، ثم وضعها على فراشه، و غادر الغرفة في صمت.

وقفت تراقبه إلى أن خرج و إختفى عن ناظريها. إلتقطت نفسا، ثم زفرته و كأن ما إستنشقته من هواء ضايق صدرها. ثم عادت إلى ملابسها.

وهي تطوي ثيابها، و ترتبها على الرفوف، كانت تفكر في لحظة دخولها إلى الشقة قبل قليل. لحظة تعانقت نظراتهما المتفاجأة. لايزال أوسم شاب رأته في حياتها، رغم عدم إهتمامه بمنظره البته. لايزال كعادته لا يكترث لتسريح شعره الكثيف البني الفاتح، و مع ذلك تبدوا خصلاته المموجة و المبعثرة مثيرة. عيناه كما عهدتهما، حادتان نائمتان، يكفي أن يتصل نظرها بلؤلؤتيه العسليتين الفاتحتين، لتغرق في جمالهما. أنفه المستقيم أجمل جزء في ملامحه، و شفتاه النحيلتان الحمراوتان، تمنحان وجهه ظرافة مميزة ممزوجة بوسامة تضفيها عليه عظام وجهه البارزة بشكل جذاب.

تذكرت كل لحظة وقفت فيها أمامه، كل لحظة إدعت فيها الصرامة و القسوة، بينما كان قلبها شاردا في ذكرياتهما التي لا تنسى، و عيناها هائمتان بملامحه الجميلة.

هزّت رأسها لعلها تتوقف عن التفكير فيه. تذكرت تجربة أدائها غدا، فقررت السيطرة على أفكارها و التدريب على الحوار الذي ستقدمه، و هي ترتب حاجياتها.

كان آدم في المطبخ آن ذاك يُعد وجبة خفيفة لنفسه. كانت يداه تقطعان الخضار ببراعة و إحترافية، بينما كان ذهنه تائها في تلك اللحظة التي سمع فيها صوتها. كان متأكدا أنه يتوهم سماعه، لكنه خرج من الغرفة ليجدها أمامه. و كانت كعادتها، جميلة. بل أجمل.

لطالما أخبرها أن الشعر الطويل يناسبها، لكنه سحب كلامه عندما رأى قصَّة شعرها القصير، و خصلاتها التي غيرت لونها من البني الفاتح إلى تدرج لوني الأسود و البنفسجي الداكن. أدرك آن ذاك، أنها ربما تعمدت تغير تسريحتها و كذا لون شعرها كي تتخلص من روز القديمة التي كان يعرفها قبل أن يفترقا. كان قلبه يرقص بجنون و هو يتذكر عينيها الرماديتين المندهشتين عندما رأته. تذكر كم كان يعشق تأمل عينيها الثلجيتين، أنفها المستقيم الصغير، و شفتاها الورديتان الممتلأتان بشكل معتدل، و اللتان يزينهما الآن قرط و كأنه حجر صغير من الألماس، عظام خديها البارزة، و ذقنها المذبب الذي يجعلها تبدو ظريفة للغاية.

شعر فجأة و كأن تلك المشاعر القديمة تعود إليه من جديد. زفر في إنزعاج من أفكره و إضطراب مشاعره، فوضع السكين، ثم وقف ساكنا للحظة. لكنها لاتزال تتقدم أفكاره، لاتزال ذكرياتهما معا تمر أمام عينيه، واحدة واحدة. و لايزال وجهها الظريف، جسدها الرشيق و الأقصر من جسده، كل ما يراه.

أخرج هاتفه ليتفقد الساعة. كانت تشير إلى الرابعة مساء. رفع عينيه عن الهاتف متذكرا أن عليه أن يكون في المطعم بعد نصف ساعة من الآن. عاد إلى وجبته الخفيفة، ثم حاول الإسراع في إعدادها، و إنتهى منها تماما بعد خروج روز من غرفة النوم إلى غرفة الجلوس. غسل يديه ثم دخل الغرفة، إلتقط ملابسه من الخزانة و شرع في إرتديها دون أن يكترث لإغلاق الباب.

كانت روز تراقبه بملامح نصف ساخرة لحظة أدركت أنه لم يتغير البتة. خلع قميص نومه، فأشاحت ببصرها و هي تهزّ رأسها سلبا، و كأنها متضايقة من تصرفاته، ثم غادرت موقعها متجهة نحو المطبخ.

خرج من الغرفة بعد دقيقة لا أكثر، عاد إلى المطبخ، ثم جلس ليتناول وجبته. و قبل أن يضع لقمة في فمه، قال وهو يراقب روز و هي تبحث في الثلاجة.
- الخضار في الأسفل، إذا كنت ترغبين في إعداد سلطة.

إستدارت إليه، إبتسمت إبتسامة مصطنعة ثم إستقامت أمامه.
- أ تدعي أنك تعرفني؟ و تعرف ما أكل؟ أنت لا تعرفني.

فتحت ذراعيها و كأنها تعرض نفسها عليه.
- أ لا أزال أبدوا لك كالغبية التي أعماها حبك في السابق؟

إقتربت منه خطوتين.
- لا عليك. سأتناول البيتزا خارجا.

وضع الملعقة من يده، إلتزم الصمت لثوان و نظراته مشتتة. ثم قال أخيرا و بنبرة مترددة.
- أنا.. أنا آسف. أعتذر حقاًّ. لم أقصد أن اؤذيك أبدا. لو أنك فقط تمنحينني فرصة للحديث و تستمعين إلي.

سألت دون أن تعير إهتماما لما قاله لتوه.
- أ لست في عجلة من أمرك؟ أسرع و تناول طعامك.

ثمّ عادت إلى غرفة الجلوس المقابلة للمطبخ. قام آدم من كرسيه، حمل هاتفه ثم محفظته متنهدا. أقلقت عليه نظرة إستغراب، فقال في نوع من الإرتباك.
- لم أعد جائعا.. كما أنني تأخرت. أظن.. علي أن أغادر.

توترت عيناه لوهلة وهو لايزال متصنما في مكانه. و ما أن إستيقظ من حَيرته حتى هرع بإتجاه الباب. وقفت روز تراقبه إلى أن أغلق الباب خلفه. عندها فقط سمحت لجسدها بالجلوس على الأريكة، فأسندت ظهرها ثم أراحت رأسها.
همست لنفسها.
- سيجن جنوني إذا ما رأيته مجددا. سأُجنّ.

****

يتابع الفصل الثالث

تعليقات