القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية تزوجت ساديا الفصل السادس



 المجد للقصص والحكايات 

رواية تزوجت ساديا

 الفصل السادس

كل كلمة نطق بها كانت تنزع جزءا فاسدا من نفسي وتلقيه بعيدا
كنت خائفة وحزينة وقلبي قد طلاه الحزن بالسواد
لما لا يتركني كما أنا؟!
لما يحاول أن يعطيني سببا للحياة مجددا ؟
أنا خائفة .
بل مرعوبة .
أخشي أن يتم إيذائي .
ليس بنفس الطريقة السابقة .
أحمد لا يشبه هشام بشيئ
أخاف أن أسمح لنفسي بالحلم .
أخاف أن أسقط مجددا
وهذه المرة لن أستطيع النهوض .
ستكون النهاية .
لقد كسبت أحمد كصديق .
كأخ .
كأب .
أخشي أن أسمح له بالولوج أكثر فأخسره .
لست الفتاة التي يستحق أن يعيش معها .
أنا رماد إمرأة .
لما عليه ربط نفسه بي وبآلامي ومشاكلي؟!
أخشي إن حاول أن يسحبني للضوء فأقوده أنا للظلام .
أحمد يستحق الأفضل .
وأنا لست الأفضل .
لن أستسلم ، ولن أسمح له أن يفسد روحه وهو يحاول إخراجي من ذلك المستنقع .
سيمل بعد فترة ويفقد الأمل بي ويعود لحياته الطبيعية
لعمله .
لعائلته .
أنا أكذب .
أنا لا أحارب نفسي .
أنا أحارب أحمد .
أحارب كلماته التي تجلي قلبي.
أحارب مشاعره التي تنير حياتي .
أنا أحارب الحياة مجددا
لكن أليست هذه حماقة؟ !
أن أحارب الحياة التي كنت أدعو الله أن يمنحني إياها .
أنا مشوشة
حائرة
عقلي يكاد ينفجر
وقلبي ينبض بجنون
ليس خوفا
بل ترقبا
شغفا
أنا مجنونة .
تثائبت وتكورت علي الفراش
أنا أشعر بالنعاس .

***

الرجل الذي فقد قلبه

هل يدق أحدهم رأسي ؟
لا
إنه الباب
كم الساعة؟
العاشرة
ألم تكن العاشرة منذ قليل ؟
ياغبية كان هذا ليلا إننا بالصباح الآن .
هل نمت كل هذا؟
توقفت عن الحديث مع نفسي عندما أدركت أن دقات الباب لم تتوقف
نهضت وخرجت وفتحت باب الشقة لأجد أحمد .
تأملته
بنطالا من الجينز وقميصا أبيضا
ذقن غير حليقة إعتاد علي تركها هكذا وإستمر بتهذيبها من وقت لآخر نظارته ذات الإطار الأسود ووجهه الأسمر الذي يبدو كمن لوحته الشمس
قطب حاجبيه وهو يتأمني قائلا
" إن أغلقتي الهاتف بوجهي مجددا دون أن ننهي حديثنا فستجديني أمامك بعد بضعة دقائق . منعت نفسي بصعوبة الأمس أن أحضر إليك ، لكن هذا لن يحدث مجددا . هل فهمت ؟
أومأت موافقة بخضوع
لاحظ ما فعله وإكتشف أن تصرفه بشكل تلقائي سيسبب مشاكل وأن عليه الحذر أكثر فتنهد
وقال
" تبدين شهية بالصباح ، لم أعرف فتاة تبدو أجمل بعد البكاء غيرك ."
إبتسمت ثم ضحكت
" أنت كاذب "
إقترب مني أكثر وقال
" إنظري بعيني وسترين نفسك كما أراها .
فتاة جميلة مشعسة الشعر عينيها المنتفختين من البكاء وقلة النوم رائعتا الجمال ، تركت وسادتها علي وجهها علامات ماكانت ستحدث لو وافقت علي الزواج بي ونامت علي صدري"
قلت له غاضبة
" أحمد "

" قولوا لها
أحمد أصابه عشقها
إحضروا الفستان هيئوا العمدان عندي وعندها
أنا لن أنام حتي أقبل خدها "

عجزت عن الحديث ، عن الغضب ، وعن طرده
وإن صارحت نفسي حقا وقلت الحقيقة فقد أسعدني كلامه لكني لن أفعل .

" إخبرني مجددا لماذا أتيت إلي هنا ؟"
إبتسم
" لأصطحبك معي"
" إلي أين ؟"
" لأريك شقة جيدة لتشتريها "
" لكني لم أقرر بعد هل سأظل بمصر أم أغادر مع حسن "
قال نافذ الصبر
" أنا قررت عنك ، لن تغادري مصر "
غضبت
" ومن سمح لك أن تقرر عني ؟"
" أنت "
قلت مندهشة
" أنا ؟!"
" أجل ، لكن دعيني أخبرك بطريقة أخري ، تلك الطريقة التي كنت سأسلكها لولم تنفجري غاضبة بوجهي .

أنت لن تذهبي مع حسن لألمانيا لأنك تعلمين جيدا أنه سينصب نفسه مسئولا عنك وسيقضي الكثير من الوقت بالإهتمام بك والترويح عنك ، ذلك الوقت هو الوحيد المتبقي له بعد عمله والذي يجب أن يبحث فيه عن النصف الآخر من روحه . أنت ستشعرين بعد فترة أنك عبئا عليه وأنك تعوقينه عن تحقيق أحلامه . وستلومين نفسك وقد تفكرين بالعودة للقاهرة وسيحزنه هذا لأنه قد عود نفسه علي وجودك . لذا أنت ستتفادين حدوث كل هذا وستبقين بمصر وتشترين لك مكانا خاصا وتشرعين بعمل جديد وأعتقد أنك ناضجة كفاية لتفعلي هذا وحدك ."
وضعت يدي علي رأسي وأنا أعلم جيدا أنه محق .
وأن كلامه صحيح لدرجة لعينة .
قلت له
" هلا منحتني عشر دقائق ، أبدل ملابسي وأحضر معك ، لكن قبل أن نكمل حديثنا سأشرب قهوة لأنني حقا عاجزة عن إستيعاب كل هذا ."
إبتسم أخيرا
" سأنتظرك بالسيارة "

***

توقفنا أمام مبني شاهق فقلت مندهشة
"هل الشقة هنا ؟"
أومأ موافقا
"لا بد أن السكن هنا سيكلف الكثير ولا أعتقد أن نقود بيع شقتي ستغطي تكاليف شقة بهذا المبني الفخم"
" هلا كففت عن القلق من فضلك لنري الشقة أولا "
أومأ لحارس العقار مبتسما ثم دخلنا المصعد وضغط علي رقم الطابق الثامن .
سرنا برواق طويل ، يبدو أن هذا الطابق تصميمه يختلف عن الأخرين فهو يضم شقتين فقط بخلاف باقي طوابق المبني .
فتح باب الشقة ودخلنا .
كانت تضم بهو واسع يحوي مطبخا ثم ممر ضيق يضم ثلاث غرف وحمام .
نظرت إليه غير مصدقة .
إنها رائعة ومساحتها كبيرة جدا لشخص واحد .
كانت جدرانها بيضاء وأرضيتها خشبية لامعة وشرفاتها كبيرة وموقعها يسمح بولوج الشمس فلا تحتاج لإضاءة نهارا .
كان ينتظر رأيي
فقلت
" ممتازة ، لكن ... "
أشار لي لأصمت ثم أخرج الهاتف وأجري مكالمة لم يقل بها سوي كلمة واحدة
" نفذ"
سألته وأجاب
" لقد أعجبتك وستصبح لك ، صديق يجهز عقدها الآن "
" أنت مجنون ، لن أشتريها بالطبع ، فهذا عبث ، أحتاج لمكان أصغر وليكن بمنطقة أخري ك...."
" مريم "
" نعم"
" لقد تم الأمر ، الشيئ الوحيد الذي عليك فعله الآن هو أن ترينا مهارتك بالديكور ، لقد أصبحت ملكك بموجب التوكيل الذي قمت بتوقيعه لصديق منذ فترة طويلة ، الآن عليك أن تضعي بصمتك عليها وتتركين بها جزءا من نفسك ، الحارس بأسفل العقار لديه أوامر بخدمتك ، سأترك لك رقمه وعليك فقط الإتصال به ليحضر لك كل ما تريدين ويشمل هذا العمال الذين سينقلون أغراضك والذين سيعملون بالشقة ، وسأترك لك رقمي ورقم صديق أيضا "
" لما تحدثني وكأنك ستسافر ؟"
ضغط علي أسنانه قائلا
" لأنني سأفعل ، أحتاج للسفر لأنهي بعض المشكلات ."
عندما بدا القلق علي وجهي ولمعت عيوني بالدموع أمسك يدي

" لن أتأخر ، سأحدثك كل يوم . وباليوم أكثر من مرة .
ثم إن كنت تحبيني هكذا فعليك الإعتراف حالا وسألغي سفري وأبقي بجوارك "
سحبت يدي من يده وأدرت له ظهري وأنا أضغط بأسناني علي شفاهي
" سأنتظرك ، فلا تتأخر "
تنهد
" حسنا ، لن أتأخر.
مريم. "
إلتفت إليه
" نعم "
"تزوجيني "
" مزاحك سيئ"
" أنا لا أمزح ، أنا أطلب منك أن تكوني زوجتي"
كان قلبي يقرع بجنون وضعت يدي عليه
" أنت .. تريد الزواج بي ؟"
إقترب
" هذا ما قلته بالظبط "
" لكن أنا لا أصلح لك . أنا حطام أنثي"
أشار بيده

" لا تتفوهي بالحماقات ، أنت أنثي كاملة ، بك كل مايتمناه رجل .
من الصعب أن تجمع أنثي بين ذكاء العقل وروعة الشخصية وجمال الجسد ، أنت عملة نادرة يامريم "
أدرت له ظهري أخشي أن يثبر غور عيني
" أنا لست كما كنت من قبل يا أحمد ، هل ترغب بالزواج من إمرأة تخاف لمستك ، ترتعب من ...."
إرتجفت شفتاي فتابع هو متسائلا
" العلاقة الحميمة ؟"
سالت دمعة علي وجهي فدار حولي ووقف أمامي ومسحها ورفع وجهي ونظر بعيني قائلا
" إنظري إليَ من فضلك"
نظرت
" سأصبر يا مريم ، لن أجبرك علي فعل ما لا تريدينه ، أنا لست وحشا ، أعلم أنك تأذيت كثيرا وأثق أنني الوحيد القادر علي مساعدتك "
همست
" لماذا؟"
" لأنني أحبك "
إبتعدت
" لا يمكن لهذا أن يحدث "
" لكنه حدث ، أنا واثق من مشاعري تجاهك ولن أتخلي عنك لأي سبب ولن أرضي بالرفض إجابة لسؤالي ، سأعرض عليك الزواج كل يوم إلي أن توافقي . "
تنهدت ونظرت من الشرفة شعرت أنني بحاجة للتنفس
"تزوجيني "
" لا "
" ستفعلين "

***

سافر أحمد ومازالت كلماته تتردد بأذني
كنت قد بدأت بإعداد الشقة فأشتريت طلاءا وقررت أن أطليها بنفسي .
سمعت جرس الباب ففتحت
وجدت باقة كبيرة من الورود مرسلة لي
إستلمتها
كانت رائعة تتوسطها بطاقة كبيرة
فتحتها وقرأت

" رماني رصاص الهوي معلنا قتل السلام
أحببت أنثي وطهرها يمحو الآثام
لكنها
لا تعرف الإكرام في الإسلام
ضنت عليَ بقربها
والبعد يقتل عاشقا بغرام "

يالله
كلماته تزلزلني ، تفجر براكين القسوة بي ، تنسف جبال العند .
تقتل رغبتي بالمقاومة .
لكني إكتشفت متعة قول لا .
تماما كطفل صغير لم يتعلم أن ينطق غيرها ، فيرددها فقط ليستمتع بصوته .
بدأت أكسب إرادتي الحرة .وكان هذا بالنسبة لي يعد إنجازا
تنهدت وعدت لمزج الألون لأبدأ بطلاء غرفة النوم الرئيسية
قررت أن أخصص غرفة للمطالعة سأضع بها مكتبة كبيرة لأكرم بها كتبي بعد سوء التقدير الذي لاقته بالعامين السابقين ومكتب أضع عليه حاسبي وركنا للصلاة وأريكة مريحة ومقعدا هزازا .
كل أحلام المراهقة سأضعها بهذه الغرفة .
بنهاية اليوم كنت قد إنتهيت من طلاء كل الغرف ولم يبقي إلا البهو الفسيح
قررت زخرفة جدرانه بأشكال غريبة مستعينة بأدوات أراني البائع بالمتجر كيف أستخدمها وحدي .
لكنني كنت جائعة وملطخة بالدهان وليست لدي أي رغبة بالطهي .
طلبت طعاما سريعا وغلست وجهي ويداي وجهزت المال ثم سمعت صوت الجرس فتنهدت ، وصل طعامي أخيرا .
فتحت الباب لأجد باقة أخري
يالله
ألم تستسلم بعد يا أحمد ؟!
إستلمت الورد وقبل أن أغلق الباب رأيت طعامي قد أتي أخيرا .
جلست علي الأرض وسط الزهور التي ملأت الشقة وبدأت بتناول الطعام
كان لدي فضول لأري ماذا كتب لي
لكن جوعي كان أقوي من فضولي
فمعذرة يا أحمد .
سحبت البطاقة

" قد تنسي تحبيني
لكني محب لا أنسي تلاقينا
وإن أخطأت سيدتي فمعذور
وعذري بعد أيدينا "

يالله لقد أوشكت قصائده أن تصبح ديوانا .
ديوان !
يالها من فكرة
سأفاجئه بهذا الأمر .
لكن عليَ أولا أن أتصرف بهذه الورود التي أصبحت بكل زاوية من شقتي
إتصلت بحارس المبني وطلبت منه أن يرسل أحدا ليأخذ باقات الزهور ويعيد إرسالها للمشفي القريب من المبني إلي غرف سأخبره بأرقامها.
إخترت عدة أرقام كانت لها ذكري جيدة لدي .
يوم ميلاد أبي .
يوم حصول حسن علي الدكتوراه
يوم لقائي بأحمد
ويوم حصولي علي حريتي مجددا .
أنهيت طلاء الشقة بعد منتصف الليل علي أنغام أغنية سيرة الحب تلك الأغنية التي كان يحب أبي سماعها عندما يكون علي خلاف مع أمي ليغيظها فقط .
حصلت علي حمام دافئ وإفترشت الأرض ونمت وأنا أستمع إليها . ولم أنتبه للهاتف الذي لم يتوقف عن الرنين ولا للرسائل التي إمتلأت بها شاشته ولا لبطاريته التي فرغت بعد دقائق .

الفصل التالي

تعليقات