أخر الاخبار

رواية أويكاثوس الفصل الخامس عشر بشري إياد

 

رواية أويكاثوس الفصل الخامس عشر بشري إياد

رواية أويكاثوس الفصل الخامس عشر بشري إياد

أويكاثوس الفصل الخامس عشر بشري إياد 

أويكاثوس 

البارت الخامس عشر

في اللحظة التي بدأ فيها النور يعم الساحة، انفجرت عاصفة من الرياح العاتية، جرفت معها الغيوم المظلمة التي كانت تخيم على المكان، وقف إيفان إلى جانب إليانا، وقد علت وجوههم آثار الجروح والتعب، لكن العزيمة التي في قلوبهم كانت أقوى من أي ألم.

إيفان بصوت حازم:

- لا مجال للتراجع الآن، سننقض عليه معًا.

إليانا بصوت منخفض، مشدود الأعصاب:

- هذا ليس مجرد معركة، هذا صراع من أجل بقائنا جميعًا.

بينما كان الجميع يقف مستعدًا لملاقاة لورينزو، كان الأخير يبتسم ابتسامة قاتمة، وكأن الظلام الذي يحيط به أصبح جزءًا من كيانه، رفع يده مجددًا، هذه المرة كان أكثر غضبًا، وكأن الأرض نفسها ترتجف من قوته.

لورينزو بصوت عميق وقوي:

- أعتقد أنكم نسيتم، لا يمكنكم إيقاف ما بدأته، حتى لو تجمعت قواكم، لن تكونوا سوى فتيان في مواجهة العاصفة.

ارتعدت الأرض تحت أقدامهم، ومع انفجار آخر، بدأت الكائنات الضخمة التي ظهرت من قبل تظهر مجددًا من بين الأنقاض، عيونها المتوهجة تراقبهم بحذر، مستعدة للانقضاض عليهم، سيلينا تقدمت خطوة إلى الأمام، يدها ما زالت ممسكة بسيفها، وعينيها مليئة بالإصرار، نظرت إلى أريوس، الذي كان يراقبها من بعيد، وكأن هناك شيئًا يود أن يقوله، لكنه تردد.

سيلينا بتصميم واضح:

- لن نسمح لهذا الظلام أن يطغى على حياتنا بعد الآن، سنقاتل حتى آخر نفس.

أريوس بحزن لكنه مفعم بالعزيمة:

- إذا كان علينا أن نخسر كل شيء، فليكن، ولكن لن نخسر بعضنا.

حسّت سيلينا بأن الكلمات كانت تتجاوز الحاجز العقلي، كان هذا هو الوقت الذي عليهم فيه أن يتحدوا معًا ضد أقوى عدوٍ واجهوه.

إيفان بصوت حازم:

- لن نسمح لهذا الوحش أن يتحكم في مصيرنا، مهما كلفنا الأمر.

ثم التفّ إيفان نحو إليانا، وكان هناك نوع من التفهم بينهما، وكأن كلماته لم تكن مجرد كلمات، بل كانت تعبيرًا عن كل ما شعرا به.

إليانا بصوت ثابت:

- لن نترك أي شيء يفرقنا بعد الآن، سواء كنتَ جزءًا من الماضى، أو كنتَ المستقبل، هذا الوقت هو وقتنا.

لورينزو أطلق ضحكة مملة، ورفع يده مرة أخرى، هذه المرة كانت حركة غامضة، إذ بدأ يتحرك في السماء سحابة ضخمة من الظلام، أطلقت طاقة غير مرئية جعلت الأرض تهتز، كان كل شيء جاهزًا للانفجار.

لورينزو بصوت مرتفع، متسلط:

- هذه النهاية، أبطالكم، أنتم فقط بلا فائدة.

لكن إيفان كان أسرع، في لحظة انتبه فيها الجميع، ركض نحو لورينزو، يهاجمه دون تردد، قفز في الهواء وحمل سيفه بكل قوته، ليحاول اختراق الحاجز الذي يحميه.

وفي نفس الوقت، هرع أريوس و سيلينا وراءه، ومعهم إليانا التي كانت عيناها تومضان بالعزم، اقتربوا منه، بينما الكائنات المظلمة بدأت تتقرب منهم، لكنهم لم يتراجعوا.

سيلينا بصوت حازم، وهي تمسك بسيفها بقوة:

- لن نخاف، كل واحد منا سيكون سيفًا في المعركة.

ثم، في لحظة خاطفة، وجدت إليانا نفسها في مواجهة مباشرة مع لورينزو، ارتبكت قليلاً، لكنه كان اللحظة الحاسمة.

إليانا بصوت هادئ، موجهة كلماتها له:

- ستدفع ثمن هذا الظلام، لورنزو، أنت من بدأ اللعبة، والآن انتهت.

لكن لورينزو لم يتوقف، ألقى تعويذة مظلمة، واندلعت شرارات من الطاقة المحرقة من يده، مستهدفة الجميع، وفجأة، حدث شيء لم يتوقعه أحد.

سيلينا قفزت أمام إليانا، متلقية الهجوم على جسدها، توسلت في قلبها أن تبقى على قيد الحياة، لكنها كانت تعلم أن هذه قد تكون اللحظة الأخيرة.

أريوس بصوت عميق، محطّم:

-لا، سيلينا!

لكن سيلينا ابتسمت بصعوبة، وهي تدفع أريوس بعيدًا، نظرت إلى إليانا.

سيلينا بهمس، بصعوبة:

- أنتم لن تدعوا الظلام يلتهمكم، هذا وعدي.

وبينما كانت تتساقط قطرات الدم من جسدها، توقفت الكائنات المظلمة للحظة، وكأنها تأثرت بشجاعة سيلينا.

في تلك اللحظة، استغل إيفان الفرصة وهاجم لورينزو بكل قوته، كان الهجوم قويًا لدرجة أن لورينزو تراجع إلى الوراء، وتكسر جزء من الدرع المظلم الذي كان يحميه، في تلك اللحظة، ارتفعت شمس الصباح، وبدأت أشعة النور تغزو المكان، كانت اللحظة المثالية لتحقيق النصر.

إليانا بصوت قوي، وهي تلوح بسيفها:

- الظلام لن يكون سيدًا بعد اليوم، فلتشرق شمس الحرية!

ومعًا، متحدين في عزيمتهم، اندفعوا نحو لورينزو، وفي لحظة معركة حاسمة، سقط الظلام، وتكسر الحاجز القوي الذي كان يحميه.

داخل معبد قديم في قلب مملكة الظلال، حيث تنساب أضواء المشاعل المرتعشة على الجدران المنحوتة بنقوش قديمة، تنقل ظلالًا مترنحة كأنها أرواح تراقب الصمت الحارق بينهما، الصوت الوحيد الذي يتردد هو أنفاسهما المضطربة وسط العتمة.

ليارا كانت تقف أمامه، ارتعاشة خفيفة تسري في أوصالها، لكنها لم تسمح لها بالظهور، في يدها، كانت الجوهرة السوداء تتلألأ ببريقها المظلم، كأنها تسخر من كل ما آمنت به يومًا، نظرت إلى كايل بعينين لا تشعان بالحياة نفسها التي كانتا تمتلكانها من قبل، لم تعد تراه المنقذ الذي احتضنها وسط ضياعها بل العاصفة التي مزّقتها دون رحمة.

همست بصوت مشروخ، كمن يستجدي ولو كذبة تبرر ما حدث:

- قل لي إنك لم تفعلها قل لي إنك لم تخنني، كايل.

لكن كايل لم يتحرك، ظلامه المعتاد كان يحيط به كدرع يحميه من نظراتها التي كانت أكثر فتكًا من أي سلاح، لم يحاول الاقتراب، لم يحاول نفي شيء، فقط صمته كان أكثر خيانة من أي اعتراف.

اقتربت خطوة، تكاد أنفاسها تلامس جلده، تبحث في ملامحه عن أي ظل للرجُل الذي عرفته، لكنها لم تجد إلا غريبًا يقف أمامها.

- أنا كنتُ أقاتل لأجلنا، كنتُ أحارب العالم لأنني ظننتك درعي 

تراجعت خطوة، صوتها تحطم في النهاية، مرتعشًا، مليئًا بكل ما حاولت دفنه:

- لكنك كنتَ السهم الذي غُرِس في ظهري.

أخفض كايل رأسه للحظة، ثم رفع نظره إليها، عيناه المظلمتان تكسوهما غشاوة من شعور لم تفهمه، أو ربما لم ترد فهمه، همس بصوت لا يعرف كيف يكون قاسيًا تمامًا ولا لينًا تمامًا:

- ظننتِ أني سأكون حصنكِ، لكنكِ كنتِ دائمًا حربًا لا تهدأ، ليارا.

ضحكت، ضحكة مكسورة كزجاج هش، مسحت دمعة خانتها ثم رفعت الجوهرة السوداء بينهما، كأنها تزنها أمام قلبها، قبل أن تقول بحدة:

- إذن احفظ هذه الحقيقة، كايل هذه المرة، أنا التي سأكون حربك.

ثم استدارت، تاركة خلفها رجلًا كان يومًا كل الطرق التي آوتها، ليصبح اليوم كل الطرق التي ستدوسها.

في الخارج، كانت المعركة لا تزال مستعرة، إيفان، إليانا، أريوس، وسيلينا يقاتلون بضراوة، يحاولون اختراق دفاعات لورينزو المظلمة، بينما الكائنات السوداء تتكاثر من العدم، كأن الظلام يرفض أن يموت، إليانا كانت تحاول شق طريقها نحو لورينزو، لكن في كل مرة تقترب، كانت موجة من الطاقة السوداء تدفعها للخلف.

إيفان بصوت غاضب:

- لا يمكننا اختراق هذا الحاجز إنه أقوى مما توقعنا!

أريوس أدار نظره بسرعة، يبحث عن نقطة ضعف، ثم التقت عيناه بعيني سيلينا، وكأن فكرة مجنونة راودتهما معًا.

سيلينا بتصميم:

- الحاجز مرتبط بقوته الداخلية، إذا تمكنا من تشتيته عاطفيًا ولو للحظة 

أريوس بحدة:

- أنا سأبقيه منشغلًا، وأنتِ جهّزي الضربة القاضية.

لم يكن هناك وقت للاعتراض، تحرك أريوس مباشرة إلى الأمام، مواجهًا لورينزو دون تردد.

أريوس بصوت متحدٍ:

- لورينزو! هل هذا كل ما لديك؟ ظننتك أقوى من أن تختبئ خلف درع!

توقف لورينزو للحظة، ثم ضحك ببطء، نظراته القاتلة تستقر عليه.

لورينزو بصوت ساخر:

- إنك تسعى للموت، أريوس.

أريوس لم يجب، فقط ابتسم ابتسامة صغيرة، كأنه يرحب بالخطر القادم، وفي اللحظة التي رفع فيها لورينزو يده لإطلاق ضربته، قفزت سيلينا من الخلف، سيفها مشحون بالطاقة النقية، واختراق الحاجز المظلم بقوة غير متوقعة.

لورينزو بدهشة وغضب:

- مستحيل !

لكن الأوان قد فات، انشق الحاجز، ومعه بدأت قوة لورينزو تتراجع، الأرض من تحته بدأت تتصدع، والظلام المحيط به تراجع ببطء، كأنه يفقد سيطرته.

مع سقوط الحاجز، لم يتردد إيفان لحظة واحدة، قفز نحو لورينزو بسيفه اللامع، وفي لحظة خاطفة، اخترق صدره، تجمد لورينزو في مكانه، عيناه تتسعان ببطء، كأنه لا يصدق ما حدث، حاول أن يقول شيئًا، لكن صوته لم يخرج، وبدلًا من ذلك، بدأت شقوق من النور تتسلل إلى جسده، تلتهمه من الداخل.

إليانا بصوت خافت:

- لقد انتهى الأمر                                                         ثم، بانفجار من الضوء، تبخر لورينزو تمامًا، تاركًا خلفه رمادًا أسود يتطاير في الهواء، وقف الجميع في ساحة المعركة، يلتقطون أنفاسهم الثقيلة، الظلام بدأ يتبدد، ومعه بدأت الشمس تشرق ببطء، إيفان نظر إلى إليانا، التي كانت تتأمل السماء بنظرة لم يرها فيها من قبل.

إيفان بصوت هادئ:

- لقد فعلناها.

إليانا بابتسامة باهتة:

- نعم لكن بأي ثمن؟

نظر الجميع حولهم، الأرض كانت مغطاة بالدمار، لكنهم كانوا لا يزالون واقفين، لا يزالون على قيد الحياة.

سيلينا بصوت منخفض، وهي تمسح عرقها:

- لقد كان هذا أصعب انتصار في حياتي.

أريوس بابتسامة جانبية:

- ولكنه كان انتصارًا.

وبينما كانت أشعة الشمس تغمر المكان، أدركوا جميعًا أن هذه لم تكن النهاية بل كانت البداية لعهد جديد.

 

تعليقات