رواية ولك فى القلب مستقر للكاتبة راندا عادل الفصل الثالث والأخير
ولك فى القلب مستقر للكاتبة راندا عادل
ولك فى القلب مستقر
الفصل الثالث والأخيرسكت للحظات مجبرا نفسه على عدم رثاء حاله ، ثم تابع:
_«وبعدها قررت أن أُتم نصف ديني وأستقر أكثر وأُكون أسرتي ، ولكن ليس كل ما يريده المرء يدركه».
واستطاع تطويع تركيزها أكثر وأكثر لتستمع له بكل جوارحها ، ثم تابع:
_«كل بيت كنت أدخله كنت أفاجأ بمطالب مهولة تكاد تكون تعجيزية ، وأنا كنت في أواخر العشرينات ، وبنفس الوقت بإمكانيات محدودة: شقة إيجار مثلا ، شبكة ذهبية نعم ولكن ليست بالمبالغ الخرافية التي كنت أسمعها».
سكت لحظة واحد فقط يستجمع بها نفسه ثم استرسل:
_«ظل الرفض مخيما على حياتي حتى يئست ، وبعدها حدثت تلك الظروف الاقتصادية التي قلبت حال البلاد بين ليلة وضحاها ، وتوقفت السياحة كما توقف كل شيء ، فأصبح مشروع الزواج أبعد وأبعد ما بكون ، فإن كنت أسمع تلك الطلبات الغريبة أثناء عملي بشركة محترمة ، فماذا سأسمع وأنا دون عمل؟».
طرق بأطراف أصابعه بخفة متناغمة وكأنه يمزج موسيقى تصويرية لما يحكي:
_«ثم أسقطت تلك الفكرة عن تفكيري ، وتمر السنوات بي حتى قبل سنتين ، حين رأيك، ليتجدد أملي بتلك الفكرة التي تأجلت كثيرا».
وتوقف الحديث وتوقفت النغمات ليترك لها مساحتها للاستيعاب ، وكان جليا توترها وهي تقول:
_«أنت ، أنا».
سكتت للحظات مبعدة نظراتها عنه علّ توترها يخف ، ولكن هيهات:
_«لا أعرف لمَ تقول لي هذا الكلام؟».
أنهت كلماتها ثم استقامت من مكانها متوترة تعطيه ظهرها ، ليأتيها رده الهادئ من ورائها:
_«أقوله لأني أرغب بتحقيق هذا الأمل المؤجل معكِ أنتِ».
ألجمها للحظات من صراحته لتلتفت له مصعوقة تحرك ذراعيها بلا معنى قائلة:
_«أنت ، ولكن أنت»
هربت الكلمات من على لسانها للحظات ، ثم تنفست بعمق متابعة:
_«أنت لا تعرف عني أي شيء».
راقبته يقف بهدوء عكس الجو المشحون حولهما ، ليأتيها تأكيده الذي خالف ما قالت:
_«بل أنا أعرف عنك كل شيء».
ثم يضيف مؤكدا لاتساع عينيها الذاهل:
_«كل ما تتخيليه».
ناظرته دون كلام ليبتسم بصفاء قائلا:
_«ينبت الله من بين قساوة الأيام ورودا، وأنتِ وردتي التي انتظرتها هيام».
واسمها من بين شفتيه سكينة ، سكينة أصابت قلبها لتزلزل أحجار روحها ، حجرا، حجرا ، أدمعت عيناها دون إرادة لتهمس بتحشرج:
_«أنا خائفة ، أخاف كل شيء، أخاف التعلق ، وأخاف الحياة ، حياة ليست حياتي».
اقترب بضع سنتيمترات لا يزيدهم وهو يقول:
_«نحن من نوهب للحياة حياة ».
ثم مد يده قائلا واعدا:
_«أعدك ، أعدك ألا أتركك في وسط الطريق مهما كلفني الأمر».
ثم أكد كلامه بحركة من يده الممدودة متابعا كلماته الصادقة:
_«لن يوقفني عن تنفيذ وعدي هذا إلا الموت».
رفعت نظراتها الرافضة لآخر ما قاله دون أن تعلن عن رفضها هذا ، ولكن نظراتها أخبرته، ليبتسم متابعا بحكمة:
_«شئنا أم أبينا هذه هي الحياة، نحياها بحلوها ومرها، بقسوتها ولينها ، بنجاحها وفشلها ، ولكن بين كل شيء ونقيضه ، سنجد دوما ما يعيننا على تخطي صعابها ، وهذا ما سأحرص على تحقيقه».
بعد مرور عدة أشهر من التقرب والاختبارات ، والتحقيق ، والتمحيص ، وكل ما يمكن تخيله للحكم على شخص ما ، هذا ما مر به سعد خلال تلك الشهور الماضية ، ولكنه حقا فاض به ولم يعد في العمر كما انقضى ، وهذا ما جعله يتحرك في كل الاتجاهات مُحرضا عليها العم أبو فؤاد وسديم ، وبعض الزبائن المستديمين الذي أصبحوا في منزلة الأصدقاء ، وفي النهاية رضخت جميلته ، اختياره الأجمل على الإطلاق ، وها هو يجلس بجوارها بعد أن تم عقد قرانهما وسط جميع أحبابهما، فالزفاف خلال أيام وهذا بعد أن تبدلت أحواله ، حيث استعانت به إحدى الصفحات الإلكترونية ليعمل معها مُرشدا لوفود أجنبية ، وقد كانت فرصة لا تُعوض، حتى حبيبته التي تحلم بإنشاء مكان خاص بها، بدأت المشوار خطوة، خطوة، عن طريق إنشائها لصفحة إلكترونية للطعام البيتي والتوصيل للمنازل، وهذه هي الخطوة الأولى ، وكم يدعو الله أن يحقق معها وبها كل ما تمناه.
_«مبارك يا سعد»
ابتسم لها بهدوء متمعنا بملامحها المحببة الهادئة ، ثم مال تجاهها قائلا دون أن يسمعه أحد:
_«أعظم شعور مررت به خلال سنوات عمري الماضية هو ذلك الشعور بالسكينة التي شعرتها بقربك ، فشكرا لك ومبارك لي حقا».
تمــــــــــــــــت بحمد الله
