أخر الاخبار

رواية ولك فى القلب مستقر الفصل الثاني للكاتبة راندا عادل

رواية ولك فى القلب مستقر الفصل الثاني للكاتبة راندا عادل

رواية ولك فى القلب مستقر للكاتبة راندا عادل الفصل الثاني 

ولك فى القلب مستقر للكاتبة راندا عادل 

ولك فى القلب مستقر

الفصل الثاني
فيجذب نظرها بفعلته ودون إرادة منها وجدت نفسها تعرض:
_«يمكنني إعداد شرابا دافئا لك ».
وهل يمكنه الرفض؟! ولكنه شاكسها قائلا:
 _«ظننتك ترغبين برميّ بأقرب شيء بارد».
خبأت ابتسامة ودت الظهور ثم أجابته أثناء استقامتها متجهة لجهاز غليان الماء الكهربائي:
_«كم سيسعدني فعلها حقا ، ولكن ليس اليوم».
ثم أضافت: «لستُ قاسية لهذه الدرجة».
ليأتيها همسه المسترسل دون تخطيط:
_«لا أعتقد أنك قاسية أبدا».
_«لِمَ كل هذا الغياب بالداخل؟»
سأله العم أبو فؤاد ليجيبه مبتسما ، سعيدا ، منتشيا ، ومليئا بالأمل:
_«لقد صنعت مشروبا ساخنا من أجلي».
ابتسم العجوز متلاعبا:
_«حالتك توحي بالخطر».
ثم أضاف بعد أن زادت ابتسامته اتساعا:
_«هل مشروبا ساخنا جعلك بهذه الحال؟ ماذا إن قالت موافقة؟».
ازدادت حالمية ملامح سعد وهو يقول بشغف:
_«ليتها تقول يا عم أبو فؤاد، ليتها».
عادت ابتسامة الرجل لرزانته قائلا بوقار:
_«ستقولها لا تقلق».
ثم رفع سبابته في وجه سعد قائلا:
_«أنت تعلم ما مرت به يا سعد».
أومأ سعد دون كلام ليتابع أبو فؤاد حديثه:
_«ما مرت به بسبب دراستها وعملها، ثم زواجها ، وبالنهاية طلاقها لتعاود بحثها عن العمل المناسب ، لينتهي بها المطاف طاهية بدرجة مهندسة».
ليؤكد سعد بدوره:
_«أعلم يا عم ، والله أعلم ، وأنا لا أريد سواها ، وسأكون خير داعم لها».
هز العجوز رأسه ثم صمت للحظات قطعها بقوله:
_«وأنت ، ما أخبار العمل؟ ألم يجد شيء؟».
تنهد سعد بثقل مفكرا عن ماذا جد؟ ماذا جد عن كونه مرشدا سياحيا متقاعدا بعمر الخامسة والثلاثون بسبب الظروف والخمول الاقتصادي الذي مرت به البلاد، ليتوقف نشاط عمله تماما فيضطر بعدها للعمل كصياد للسمك ، هوايته نعم ولكنه لا يمتلك حلا آخرا، يقوم بصيد السمك يوميا ، وكل يوم يبيع نتيجة صيده لمطعم مختلف ، ولكنه لا يكل عن البحث عن عمل آخر، بل يقوم بإرسال سيرته الذاتية لكثير من الأماكن كل فترة وأخرى:
_«لم يجد شيء، ولكني أنتظر».
ليهز العجوز رأسه مواسيا:
_«لا تقلق يا بني، كلٌ مكتوب، لا تقلق».
يبتسم سعد ممتنا لوقوف هذا الرجل بجانبه ثم شكره وهمّ ليغادر، ولكن قبل أن يبتعد ناداه العجوز موقفا إياه وحين التفت قال متواطئا:
_«هيام ستسهر اليوم هنا، ستجهز لعزيمة مطلوبة منها غدا خارج المطعم».
للحظة لم يعِ ما سبب تلك المعلومة الغريبة ، ولكنه سرعان ما استوعب ليقترب بغتة من العجوز محتضنا إياه ، ثم مُقبلا لوجنته بقوة ممطرا فوق رأسه الكثير والكثير من عبارات الشكر، ولكن هذا لم يمنع العجوز من قول:
_«ولكن احذر يا سعد، الفتاة أمانة لديك».
طمأنه سعد بكل العبارات الممكنة وغير الممكنة ، العجوز نفسه مطمئن ، بل هو واثق في هيام نفسها ، وإحقاقا للحق ، هو خائف على سعد من تلك المواجهة الشرسة التي قد يتعرض لها.
بعد منتصف الليل ، تعمل على هذا الطبق ثم تنهيه وتتركه قليلا قبل أن تتجه لتسويته ، ثم تعمل على ذاك الطبق فتنهيه ثم تتركه ، وهكذا بكل نظام ، مقسمة العمل بكل إتقان وحِرفية ، وكأنها عاشت كل عمرها بالمطبخ وليس منذ سنوات مضطرة لذلك حتى لا تمكث بالبيت دون عمل ، وحتى تجد ما تعول به نفسها بعد أن غادرت قريتها واستقرت بالمدينة.
بعد ساعتين تقريبا كانت قد أنهت تجهيز الأطباق ولم يتبق سوى التسوية ، مسحت يديها في المنشفة الصغيرة المعلقة دوما في حزام حِلتها البيضاء والمخصصة لوقت الطهي ، تحركت باتجاه الموقد وحين حاولت تشغيله لم يستجب ، مرة ، واثنتان ، وثلاثة ، ثم توقفت متأففة تضرب بقدمها الأرض:
_«هل هذا وقته!»
_«هل تحتاجين للمساعدة»
التفتت منتفضة على الصوت الذي صدح عند باب المطبخ المطل على الصالة الخاصة بالمطعم ، لتتسمر مكانها كاتمة أنفاسها ، قائلة باستنكار بعد أن وعت لوقوفه هنا معها في مكان واحد بعد منتصف الليل بكثير:
_«أنت؟ ماذا تفعل هنا؟».
خطى لداخل المطبخ خطوتين تحت عينيها المتسعتين قائلا أثناء تحركه:
_«كنت مارا من هنا ولمحت النور مازال مضاء وحين سألت الحارس بالخارج أخبرني أنكِ مازلتِ هنا تنهين بعض الأعمال».
تراجعت خطوة مقابل ما خطاها:
_«وما الذي أدخلك لهنا؟».
تسمر مكانه عندما لاحظ تراجعها ، موضحا:
_«وجدتك تأخرتِ».
ضيقت ما بين حاجبيها بتساؤل منطوق:
_«ماذا تعني بـ "تأخرت"؟».
هزت رأسها بعد فهم متابعة تساؤلها المحقِق:
_«منذ متى وأنت بالخارج؟».
كتم ابتسامة جانبية تهدد بظهورها على مظهرها المرتعب والمتسائل ، ثم قرر أن يجيبها رحمة بعقلها الذي يحلل كل حرف:
_«منذ غادر الجميع ووجدت المطعم لم يغلق».
اتسعت عيناها بذهول قائلة:
_«هل ، هل كنت ، بالخارج كل هذا ، كل هذا الوقت؟».
فأقل حسبة للساعات على حسب كلامه سيكون قد انتظر ما يقرب من الست ساعات.
_«نعم»
والإجابة رغم بساطتها إلا أنها سمرتها مكانها ذاهلة من صدقها:
_«لماذا»
والسؤال رغم غبائه ولكنه ضروري ، لتأتيها الإجابة الأكثر صدقا ، والأعمق إحساسا:
_«حتى أطمئن عليكِ».
رمى كلماته ثم توجه للموقد تاركا إياها واقفة تستوعب ما رماه من كلمات حقيقية، يديه تعملان على تغيير أسطوانة الغاز بصمت ، وبين كل لحظة وأخرى يمنح عينيه نظرة يطمئن بها عليها ، راقبها تجلس على طاولة بوسط المطبخ وحين انتهى توجه للحوض يغسل يديه وعينيه لا تبارحان ملامحها ، اقترب منها ملاحظا شرودها المستكين واستغله أحسن استغلال ، فجلس على الكرسي المقابل لها ناظرا إليها بتدقيق وكأنها دخلت فقاعة زمنية أجبرت نفسها عليه ، تشجع يلفت نظرها مستغلا حالها الهادئ عكس ما هو متوقع:
_«أتعلمين أني بالأصل مرشد سياحي».
واستطاع بالفعل لفت نظرها ، ونظرت ، وضاع هو في بحر عينيها الأسود ليضطرب نبضه ، نبضة تلي الأخرى بغير رحمة منها ودون أن تعلم هي ، أبعد عيناه عنها مستجمعا حاله متابعا:
_«عمري خمسة وثلاثون عاما ، بعد تخرجي من الجامعة ظللت أدور وأدور على كل عمل ، حتى استقريت بالنهاية في وظيفة أحلامي المنتظرة، مرشد تابع لشركة سياحة».
تعليقات