رواية ولك فى القلب مستقر للكاتبة راندا عادل الفصل الأول
ولك فى القلب مستقر للكاتبة راندا عادل
ولك فى القلب مستقر
الفصل الأولروائح ، توابل ، نكهات ، مزاج رشة من هنا على رشة من هناك ، ثم قليل من الأوراق الخضراء التي تكسب نكهاتها لقطعة اللحم الممددة أمامها بالمقلاة.
مالت بجذعها للأمام ورأسها مائل تجاه الدخان المتصاعد من مقلاتها العزيزة، تتشمم بعمق تترك تلك الرائحة تتشعب داخل شرايينها لتسكنها قطعة لحم بالزبدة والريحان نكهاتها المفضلة والمحببة لها شخصيا ، واليوم الذي يكون مخصصا لأطباقها المفضلة تجد نفسها تبدع في طهيها ، وهذا اليوم هو كذلك ، بالإضافة ليوم الأسماك بالطبع ، يوم الأسماك الذي يظهر فيه ذلك المتطفل الذي يتعمد الكلام معها بسبب ودون سبب ، نفضت رأسها من ذكراه متعمدة ، مجبرة نفسها عن عدم التفكير به .
تنهدت بثقل أثناء إغماضها لعينيها ثم فتحتهما ثانية تعود لعملها ، عملها كطاهية في مطعم أمواج ، ذلك المطعم الذي دلفت له كزبونة لتصبح طاهية به بعد أيام.
شردت بذاكرتها لذلك اليوم الذي تركت فيه عملها كمندوبة مبيعات بأحد المحال بعد تطاول أحد الزبائن عليها قائلا:
-«أنت لا تفقهين شيئا ، لا تجادليني!».
لا تفقه شيئا؟! بعد أن قضت سبعة عشر سنة في التعليم ، منهم خمس سنوات في كلية هندسة قسم عمارة ، نعم هي كمهندسة كانت تعمل مندوبة مبيعات بأحد المحال، ولكن ليس ذنبها ، بل ذنب مجتمع لا يوفر فرص عمل للفتيات في كثير من المجالات ، وخاصة بقريتها حيث لا عمل للفتيات نهائيا ، لتترك القرية في طريقها للمدينة باحثة عن فرصة عمل تتمنى الحصول عليها.
تتذكر تلك الشركة التي عملت بها كمهندسة بعد تخرجها بسنتين قضتهما في البحث عن عمل يناسب دراستها ، وهذا ما اصطدمت به في المجال الواقعي للعمل، فبعد أن كان حلم مراهقتها أن تصبح مهندسة معمارية ، وقد كانت ، ولكنها بعد تخرجها تفاجأت أن ليس لها وجود في سوق العمل، وبعد بحث وعناء عن عمل يناسب شهادتها وجدته بشركة متخصصة في الإنشاء.
كان العمل في البداية مريحا إلى أن قرروا إسناد أول مشروع لهان وهذا كان كارثة حقيقية ، فعملها كمهندسة يوقع على عاتقها توزيع العمل على العمال والحِرفيين والإشراف عليهم.
لن تنسى أبدا نظرة العمال لها في أول يوم حين علموا أن من ستباشر عملهم مهندسة وليس مهندسا ، وبعدها بدأت المشاكل في التصاعد ، حيث كانت تأمرهم بفعل أشياء تخص العمل ولكنهم كانوا يتجاهلونها متعمدين بحجة أنهم: أكبر، أو أدرى.
لينتهي المشروع بكم من الأخطاء الجسيمة التي عرضتها للمساءلة القانونية ، وبعدها تركت العمل بتلك بالشركة لتعيد الكرة مرة أخرى بمكتب هندسي كان ببداية مشواره المهني ، ولكنهم رفضوا توليها أية مشاريع تنفيذية مكتفين بالأعمال المكتبية ، ليكون نصيبها ذلك الروتين اللعين الذي كان يتضخم بفعل أكله لشغفها كمحبة لدراستها.
لتعاد الكَرة ثانية ، وثالثة ، ورابعة ، وبكل مرة كانت تبدأ عملا جديدا كان بُعدها عن مجالها يزداد ، فمرة تعمل بمكتبة ، ومرة تلجأ للعمل عبر الانترنت ، ومرة كمدرسة في حضانة مديرتها صديقة لها ، وتتوالى المرات حتى انتهى بها المطاف هنا، طاهية ، طاهية ومطلقة ، مطلقة بعد شهور قليلة من الزواج ، لتكتشف أن الزوج كان طامعا في دخلها كمهندسة ، وحين تركت العمل بالشركة متجهة لأعمال أقل ماديا كان نصيبها المعاملة السيئة ، لتقرر الانفصال فورا وخاصة بعد رفضه تركها للعمل في تلك الشركة التي عملت بها ، وها هي ليست مهندسة ، أو مدرسة ، هي طاهية ، مهنة شريفة كانت في البداية بديلا إلى أن أصبحت حياة.
مطعم أمواج الذي كان لها متنفسا بعد أن رآها صاحب المكان أثناء جلوسها في أحد الأركان المتخفية تبكي ، كانت تبكي حالها وشبابها وسنوات تعليهما التي أهدرت في ولا شيء ، كانت قبلها بساعات قد تركت عملها في ذاك المحل بعد تطاول أحد الزبائن عليها ، ناعتا إياها بما يعني الجاهلة، في تلك اللحظة شعرت وكأن خنجرا مسموما غُرس بقلبها جعلها تولول داخليا على حالها ، تنعي حظها وأمورها التي لا تسير أبدا كما تريد وكما تتمنى ، مطلقة ، لا تعمل ، وبعمر الثلاثين عاما، لم تجد بدًا من البقاء بالمحل بل ترك العمل كاملا ، وظلت تسير بالمدينة حتى وجدت نفسها في هذا المكان الخلاب والمُطل على البحر، ساقتها قدماها للداخل وبعد أن استقرت بالكرسي وراء تلك الطاولة في طرف المكان ، ثم دقائق من الصمت ومحاسبة النفس حتى انفجرت بالبكاء الصامت والنشيج المؤلم ، وحين انتهت تفاجأت بكوب من الليمون يوضع بجوارها على الطاولة ، رفعت نظرها للكوب لتجد بجواره منديلا ورقيا ، فرفعت نظرها أكثر للأعلى لتجد رجلا له من الهيبة نصيبا ، طويل ، بملامح سمراء وشعر يخالطه الشيب:
-«أتمنى أن ما تفعليه لا يتعدى كونه استراحة محارب».
قالها بصوته الرخيم وكأنه يعلم كل ما تعيشه وكل ما عاشته ، ثم تابع مشيرا للمكان:
-«أنا أبو فؤاد ، مالك هذا المكان».
راقبته صامتة يجلس بالكرسي المقابل لها دون أن يزيد حرفا ، ولم يطالبها بأي تفسير عن حالتها ، وبعد صمت دام لوقت لا تتذكره وجدت نفسها تهمس دون مقدمات:
_«لقد ، تركت ، العمل».
وكانت البداية لقصة ملخصها:
_«لا أحد يعمل بشهادته».
_«هيام، ألم تنتهي بعد؟»
أخرجها هذا النداء من ذكرياتها بصوت سديم ، تلك الفتاة المسؤولة عن ترتيب وتنظيف المكان بالخارج:
_«انتهيت سديم ، لحظات فقط والطبق يكون جاهزا».
اقتربت منها سديم تتشمم كالقطط مستمتعة بما تشمه:
_«اممم ، الرائحة زكية».
نظرت سديم لهيام قائلة:
_«كعادتك هيام».
ابتسمت لها هيام ممتنة لتلك الكلمات التشجيعية والتي تجعلها متيقنة لأهمية ما تفعله ، حتى وإن كان ما تفعله بعيدا كل البعد عن دراستها ، يكفيها أنها تحبه ، أو أحبته بمعنى أوضح.
في اليوم التالي ، كانت تخطو للمطبخ بخطوات متسارعة ، الجو بالخارج ممطر بشكل عجيب واليوم هو يوم الأسماك ، وبالتأكيد مع هذا الجو الممطر لن يأتي ذلك الصياد المدعو سعد ، ذلك المتطفل ، السمج ، الـ .
أسكتت عقلها عن التفكير ممسكة بالورقة والقلم تكتب قائمة طلباتها البديلة التي تعدها دائما للطوارئ ، دجاج ، خضروات ، دقيق ، توابل ، كريمة لباني.
_«صباح الخير»
قاطعت كتابتها هذه التحية الصباحية بصوت رجولي تحفظه عن ظهر قلب ، التفتت للباب الجانبي للمطبخ تلمحه يقف بطوله الفارع ، لباسه المخصص للصيد يحمل بين يديه القفة الخاصة بالسمك خاصته ، والذي يصطاده بنفسه ، عادت تلتفت لورقتها العتيدة دون أن تجيب تحيته قائلة بجمود:
_«ظننتك لن تأتي في هذا الجو»
ابتسم لتعمدها عدم الرد عن تحيته ثم دلف للمكان واضعا القفة على الأرض بجوار الكرسي الجالسة عليه ، ثم جلس على الكرسي المقابل لها دون إذنها قائلا يشاكسها:
_«هذا يعني أنك فكرتِ في ».
توترت ملامحها للحظات سرعان ما سيطرت عليها ثم قالت بعد أن رفعت عينيها إليه لتلمح توتره هو هذه المرة:
_«لا تطري نفسك كثيرا ، كل ما بالموضوع هو تجهيزي لقائمة بديلة عن السمك اليوم».
لم يجبها بل ظل صامتا ، ناظرا ، مستمتعا بتلك اللحظات التي يراها فيها أسبوعيا، بل ينتظر هذا اليوم بفارغ الصبر، يتعمد الحديث معها ، أوقات كثيرة يتطفل عليها بطلبه للماء ، أو أي شيء آخر، منذ متى رآها؟ منذ شهر، اثنين ، أو ثلاث؟! رآها منذ أربعة وعشرون شهرا ، سنتان كاملتان ، سنتان علم فيهما كل شيء عنها وحاول التقرب منها بكل الطرق التي تسمح بها هي ، يتذكر اليوم الأول الذي دخل فيها المكان كتاجر للسمك ، هو ليس تاجرا بالمعنى الحرفي ولكنه مُحب للصيد ، قابل السيد أبا فؤاد يوما ما على شاطئ قريب خاص بالصيد وبعد تداولهما الحديث معا علم عن مطعمه هذا ، وبالمقابل عرض عليه أبو فؤاد إن أراد أن يبيع صيده يوما ما فهو كفيل بشرائه ، ومنذ وقتها وهو يأتي ليبيع السمك أسبوعيا في يوم محدد ، يوم هو له كالموعد الذي يتجدد به نشاطه الأسبوعي.
بسببها هي ، هذه الجالسة أمامه والقادرة على صده بكل مرة وكأنها تلف حولها سلكا شائكا معلق عليه لافتة ممنوع الاقتراب ، وهذا لم يمنعه الاقتراب ولا حتى افتعال الحديث ، ولن ينسى جهود السيد أبا فؤاد في السماح له بذلك الاقتراب في الحدود التي تسمح هي بها، السيد أبو فؤاد الذي حذره قائلا:
_«إن اشتكت لي منك لن تخطو للداخل مرة أخرى».
وحمدا لله هي لم تشتكِ للآن ، وها هو يدخل المطبخ بحجته الضعيفة لوضع السمك بالداخل رغم أن أحد العاملين قادر على القيام بتلك المهمة ، ولكنه هو من يدخل وهو من يضع السمك أرضا ، وهو من يفتعل الحديث ، أوقات كثيرة لا يجد رد على هذا الحديث ، ولكن لا يهم ، يكفيه أنه يراها.
رفع كفيه يضمهما ببعضهما، ينفخ فيهما جالبا بعض الدفء ولو بسيطا لهما
