أخر الاخبار

رواية أويكاثوس الفصل السابع بشري إياد

 

رواية أويكاثوس الفصل السابع بشري إياد

رواية أويكاثوس الفصل السابع بشري إياد

أويكاثوس الفصل السابع بشري إياد 

أويكاثوس

البارت السابع
ساد الصمت لوهلة، لكن الصمت كان أخطر من أي صخب لم يكن الجميع يصدق ما يرونه كيران الشخص الذي وثقوا به واقف الآن خلف ليارا، ممسكا بسكينه البارد عند عنقها، فالكر، الذي لم يكن يعرف للخوف معنى، شعر بشيء غريب يخترقه مزيج من الغضب والعجز، قبض على سيفه بقوة حتى كادت مفاصله تبيض، لكن أي خطوة غير محسوبة قد تكلف ليارا حياتها. 
أما سيلين، فقد شعر قلبها بالثقل، عينها تلمع بحيرة وهي تحدق في كيران الذي لم يحاول حتى تبرير فعلته، كانت تعلم أن الخيانة ممكنة، لكنها لم تتخيل يوما أن تأتي من شخص كانوا يظنونه واحدا منهم، ليارا نفسها، رغم أن النصل كان على بعد لحظات من إنهاء حياتها، لم يظهر على ملامحها أي خوف، كان في عينيها خليط من الحزن والغضب وكأنها لم تعد تنظر إلى كيران، بل إلى ماضيها، إلى كل الأشخاص الذين خانوا ثقتها يوما، بصوت هادئ لكنه جليد في صلابته، قالت:
- هل كان كل شيء كذبًا ؟ 
ابتسم كيران، لكن ابتسامته لم تحمل أي فرح، بل كانت مليئة بالسخرية المرة:                                                           - أوه، لا تسئ الفهم، يا ملكة الفوضى لم يكن كل شيء كذبًا، لكن في النهاية، هناك أوامر يجب تنفيذها، وأشخاص يجب أن يبقوا في أماكنهم. 
كانت كلماته تعني شيئًا واحدًا لم يكن مجرد جاسوس كان شخصا يعمل منذ البداية لتحقيق هدف مختلف تماما، ولم يكونوا سوى قطع شطرنج في لعبته. 
ضغط النصل قليلا، شعرت ليارا ببرودته، لكن هذا لم يضعفها، على العكس زادها تصميما، ببطء، أغلقت عينيها، وسمحت لنفسها أن تغرق للحظة في الغضب الذي حاولت دومًا كبحه، لكن قبل أن يتمكن كيران من إنهاء ما بدأه، دوى صوت انفجار هائل في المكان، تصدعت الجدران واهتزت الارض بعنف الضوء الازرق الخاطف غمر المكان، وسرعان ما انتشرت الفوضى، انهارت أجزاء من السقف، والغبار ملأ الهواء، مما جعل الرؤية صعبة. 
في تلك اللحظة، لم يتردد فالكر، انقض كالبرق، وعيناه تتقدان بالغضب، موجهًا سيفه نحو كيران الأخير بالكاد تمكن من تفادي الضربة، لكنه اضطر إلى التراجع، مما أتاح الفرصة لـ ليارا للهروب من قبضته. 
سقطت على الأرض وهي تلهث، لكن سرعان ما رفعت رأسها، تنظر إلى المشهد أمامها، فالكر يقاتل كيران بعنف ضرباتهم تتلاحق بسرعة مميتة، بينما سيلين تحاول إخماد النيران التي بدأت تلتهم المكان. 
من بعيد، شق صوت أميراليس الهواء، وهي تندفع عبر الأنقاض، مستخدمة قوتها المائية لحماية المقاتلين من الانهيارات المتتالية. 
أميراليس: يجب أن نخرج من هنا الآن 
لكن ليارا لم تتحرك، كانت عيناها مثبتتين على كيران الذي رغم كل شيء، لم يكن يبدو عليه الندم. 
كيران: ما زال لديك الوقت ليارا لا تجعلي نفسك ضحية هذه الحرب. 
تقدمت خطوة، والغضب في صوتها كان واضحًا. 
ليارا: أنا لست ضحية، ولن أكون دمية في يد أحد بعد الآن. 
في تلك اللحظة، ارتفع ضوء أسود ضخم من أعماق القلعة علامة أن أرسان بدأ تحركه، خرج الجميع من القلعة بصعوبة، لكن المعركة لم تنته، على العكس ما حدث كان مجرد البداية، وقفت ليارا أمام جيشها، نظرت إلى الوجوه المتعبة، إلى العيون التي لم تكن تعلم ما ينتظرها، فالكر كان لا يزال يحاول استيعاب خيانة كيران، أما سيلين، فكانت أكثر هدوءًا، لكنها لم تكن أقل غضبًا، اقترب وسامير، أحد قادة المقاومة، وقال بصوت منخفض:
- لقد بدأ الظلام بالتحرك، هذه الحرب لن تكون مثل أي حرب أخرى. رفعت ليارا رأسها عيناها تحملان قرارًا لا رجعة فيه. 
ليارا: إذن سننهيها قبل أن تبدأ.                                     كانت تعلم أن المواجهة القادمة ستكون أعظم تحد واجهوه على الإطلاق، لم يعد هناك مجال للتردد لم يعد هناك مجال للرحمة، لقد بدأت حرب النور والظلام والدماء ستكون الثمن.
وسط الدمار الذي تركته المعركة، وقفت ليارا تنظر إلى القلعة التي كانت قبل ساعات فقط حصنًا لهم الآن لم تكن سوى أطلالٍ متداعية، يلفّها الدخان والنار، كان هناك الكثير من الجثث، بعضها لأعدائهم، وبعضها لمن وثقوا بهم، لكن لم يكن هناك وقت للحزن كان يجب عليهم التحرك. 
فالكر وقف بجانبها، يراقبها بصمت، كان يرى في عينيها ذلك الشرر الذي لم يره من قبل، شرر الرغبة في الانتقام شرر القوة التي لم تعد تخشى شيئًا، اقترب منها وقال بصوت منخفض:
- هذه ليست النهاية بل مجرد البداية. 
التفتت إليه، ثم نظرت نحو جيشها المنهك، الذي كان ينتظر أوامرها، كانت تعلم أن الجميع ينظرون إليها كالقائد الذي سيقودهم إلى النصر، لكن في داخلها كانت تعلم أن هذه المعركة ستكلفهم الكثير، تقدمت بضع خطوات ورفعت صوتها قائلة: 
- لقد حاولنا الحفاظ على السلام حاولنا تجنب هذه الحرب، لكن أعداءنا لم يتركوا لنا خيارًا! لقد طعنونا في الظهر، وخانوا ثقتنا، وأحرقوا أرضنا! والآن سنرد لهم الصاع صاعين!               ارتفعت الهتافات في الأرجاء، وحدّق الجميع بها بعزيمة متجددة، لم يعد لديهم شيء يخسرونه، وهذه هي أخطر مرحلة يمكن أن يصل إليها جيش حين يكون على استعدادٍ لفعل أي شيء، وسامير اقترب منها وقال بجدية:
- يجب أن نتحرك بسرعة، لدينا تقارير تفيد بأن قوات الظلام بدأت بالتحرك بالفعل، إذا لم نكن مستعدين، فسيسحقوننا قبل أن نصل إليهم. 
أومأت ليارا برأسها، ثم التفتت إلى فالكر وسيلين:
- نحتاج إلى خطة وسنبدأ بتحديد مواقع الأعداء أولًا. 
***
على الجانب الآخر من العالم، كانت الممالك الأخرى قد بدأت تشعر بالخطر، لم يكن هذا مجرد صراع عادي بين فصيلين لقد بدأت الفوضى تمتد إلى كل مكان.
***
في قصر مملكة النور، جلست الملكة إليساندرا على عرشها الذهبي، محاطة بمستشاريها وأمراء الممالك الأخرى، كان وجهها جامدًا كأنها تمثال منحوت من الرخام، لكنها في داخلها كانت تغلي. 
إليساندرا: لقد سمعنا جميعًا الأخبار الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل أصبحت واقعًا.                       
وقف أمامها قائد جيشها أريان، رجلٌ قوي البنية ذو شعرٍ فضيّ وعينين حادتين كالصقر. تحدث بصوتٍ هادئ لكنه حمل صرامة القادة:
- المملكة السوداء بدأت تحشد قواتها، والقلعة الحمراء قد سقطت بالفعل، إن لم نتحرك بسرعة، فسيصلون إلينا قبل أن نكون مستعدين. 
من زاوية القاعة، تقدم ريغار، أمير مملكة العواصف، قائلاً بنبرة ساخرة:
- وأين كانت جيوشنا عندما بدأت هذه الكارثة؟ لماذا لم نتحرك قبل سقوط القلعة؟ 
رمقته إليساندرا بنظرة باردة قبل أن تجيب:
- لأننا لم نكن نعلم أن الخيانة قد وصلت إلى هذا العمق. 
ساد الصمت للحظات، قبل أن تقطع الملكة التفكير بقرارها الحاسم:
- سنرسل رسالة تحذيرية إلى جميع الممالك من يريد الوقوف معنا فليفعل، ومن يرفض فليتحمل العواقب وحده. 
***
في قلب المملكة السوداء، حيث السماء لا ترى الشمس إلا نادرًا، جلس لوسيان، ملك الظلال، في قاعة عرشه المظلمة، كانت ألسنة اللهب الخضراء تتراقص داخل المشاعل المحيطة، تلقي بظلال مرعبة على جدران القاعة. 
وقف أمامه أحد مستشاريه، داريوس، وهو رجل طويل القامة بوجه قاسٍ وندبة تمتد عبر خده الأيسر، تحدث بصوت منخفض لكنه محمل بالثقة:
- القلعة الحمراء سقطت كما خططنا الآن لم يبقَ أمامنا سوى إنهاء ما بدأناه. 
نظر لوسيان إليه بعينيه الداكنتين قبل أن ينهض من عرشه، وخطواته تصدح في القاعة:
- ليارا وجيشها ليسوا خصومًا سهلين لكننا سنكسرهم كما كسرنا من قبلهم، أما بالنسبة للممالك الأخرى؟ دعهم يجتمعون كما يشاؤون في النهاية، سيأتون إلينا راكعين. 
ابتسم داريوس بخبث قبل أن يقول:
- لدينا جاسوس بينهم بالفعل سنعرف كل تحركاتهم قبل أن يفكروا حتى بتنفيذها. 
ضاقت عينا لوسيان قبل أن يتمتم:
- الجاسوس؟ 
أومأ داريوس برأسه.                      
داريوس: شخصٌ لن يتوقعوه أبدًا  
***
في قلب مملكة النور، كانت ليارا تسير داخل الممرات الحجرية للقصر الملكي، كان الظلام يحيط بها، لكن قلبها كان مشتعلاً بالغضب والحيرة، شعرت بأن هناك شيئًا خاطئًا كأن الحرب ليست كما تبدو. 
فجأة، سمعت صوت خطوات خلفها، فاستدارت بسرعة لتجد فالكر يقف هناك، يحمل في عينيه نظرةً لم تفهمها. 
ليارا: ماذا تفعل هنا؟ 
اقترب منها وقال بصوت هادئ لكنه جاد:
- هناك شيء عليكِ أن تعرفيه، ليارا  
تجمدت في مكانها، وعقلها بدأ ينسج ألف احتمال هل يمكن أن يكون هو الجاسوس؟ أم أنه اكتشف حقيقةً ستغير مجرى الحرب؟
***
كان القمر يتوسط السماء حين نظرت ليارا إلى فالكر بعينين متحفزتين، تحاول أن تستشفّ ما وراء كلماته، كان الصمت يحيط بهما، لكن التوتر كان يكاد يُلمس في الهواء. 
ليارا بحذر: 
- ما الذي تحاول قوله يا فالكر؟ 
تردد فالكر للحظات، ثم قال بصوت منخفض:
- هناك خيانة داخل القصر، شخص ما ينقل أخبارنا مباشرة إلى لوسيان. 
تجمدت أنفاس ليارا، وعقلها بدأ يعمل بسرعة كانت تتوقع أن يكون هناك جاسوس، لكن سماع ذلك من فالكر جعله أكثر واقعية. 
ليارا بحدة: 
- من؟ من هو الخائن؟ 
نظر إليها بعينين مليئتين بالقلق قبل أن يقول:
- لا أستطيع أن أؤكد لكن لدي شكوك قوية. 
أمسكته من ذراعه بقوة وقالت بحدة:
- لا وقت للشكوك، فالكر، أخبرني الآن! 
نظر حوله كأنه يخشى أن يكون هناك من يسمعه، ثم قال بصوت بالكاد يُسمع:
- أحد الحراس المقربين منكِ ربما أكثر من مجرد حارس. 
ارتجفت أصابعها وهي تفكر في هذه الكلمات، هل يعقل أن يكون أحد رجالها من يخونها؟ 
                                       ***                                                  في نفس اللحظة، وفي مكان آخر من القصر، كان إيرن، قائد الحرس الملكي، يسير في أحد الممرات الحجرية المظلمة، كان يحمل سيفه، لكن قلبه كان مثقلًا بالشكوك، منذ أيام، لاحظ أمورًا غريبة تحدث، لقاءات سرية، رسائل تختفي، وأوامر لم تصدر من ليارا لكنها نُفّذت رغم ذلك. 
حين انعطف عند أحد الزوايا، اصطدم فجأة بشخص آخر، تراجع خطوة واستعد لسحب سيفه، لكن حين رأى من كان أمامه، اتسعت عيناه بصدمة. 
إيرن: أنت مستحيل! 
لكن قبل أن يتمكن من قول أي شيء آخر، شعر بألم حاد في صدره، نظر إلى الأسفل، ليجد خنجرًا مغروسًا في جسده، رفع عينيه ببطء، يحاول استيعاب ما حدث، قبل أن يهمس بصوت ضعيف:
إيرن: كنتَ أنت ؟ 
سقط جسده على الأرض، تاركًا وراءه سرًا قد يغير مجرى الحرب. 
***
على الجانب الآخر، في مملكة الظلال، كان لوسيان يراقب خريطة الممالك، يمرر أصابعه فوق المواقع التي يسيطر عليها، وتلك التي ينوي تدميرها، دخل داريوس إلى القاعة، انحنى باحترام قبل أن يقول:
- الرسالة وصلت، سيدّي، العدو في طريقه إلى الفخ. 
ابتسم لوسيان، ملامحه غامضة كعادته، قبل أن يقول بصوت هادئ لكنه يحمل رعبًا لا يوصف:
- جيد دعهم يعتقدون أنهم يملكون زمام الأمور، حتى يكتشفوا الحقيقة بأنفسهم. 
***
داخل قاعة الاجتماعات في مملكة النور، اجتمع القادة للنقاش حول الخطوة القادمة، كانت ليارا جالسة على رأس الطاولة، عيناها تدرسان كل الموجودين بحذر، خاصة بعد ما أخبرها به فالكر. 
ليارا: لدينا خائن بيننا، لن أذكر الأسماء الآن، لكنني أريد من الجميع أن يكون على حذر، أي خطأ بسيط قد يكلفنا الحرب. 
كان هناك توتر واضح في القاعة، تبادل القادة النظرات فيما بينهم، وكل منهم يتساءل في داخله من هو الخائن؟ 
فجأة، فُتح الباب بقوة، ودخل أحد الحراس، وجهه شاحب وعيناه مليئتان بالرعب. 
الحارس: جلالة الأميرة! وجدنا وجدنا القائد إيرن مقتولًا! 
ساد الصمت لثوانٍ ثم تحول إلى فوضى، ليارا تجمدت في مكانها، ثم نهضت ببطء، قبضتها مشدودة، كان هذا يعني شيئًا واحدًا الخيانة أصبحت أكثر قربًا مما تخيلت.
تعليقات