أخر الاخبار

رواية أويكاثوس الفصل السادس بشري إياد

رواية أويكاثوس الفصل السادس بشري إياد

رواية أويكاثوس الفصل السادس بشري إياد

أويكاثوس الفصل السادس بشري إياد 

أويكاثوس

 البارت السادس

كان الجميع يحدقون في السماء، حيث بدأ الشق يتسع ببطء، أشبه بجرح في نسيج العالم، يتغلغل في الفضاء المظلم، وكأن قوةً غير مرئية تحاول الخروج منه، العاصفة التي اجتاحت القلعة جعلت الرايات السوداء ترفرف بجنون، وحمل الهواء أصواتًا غامضة، كأنها قادمة من بعد آخر.

وقف فالكر في قلب الساحة، ملامحه جامدة، لكنه شعر بشيء لم يختبره منذ زمن طويل قشعريرة خوف، لم يكن هذا جزءًا من أي نبوءة يعرفها، وهذا وحده كان كافيًا ليشعره بالخطر.

اقترب كيران من ليارا، التي كانت تحدق في الشق بعينين متسعتين، جسدها يرتجف كما لو أن طاقةً هائلة تحاول تمزيقها من الداخل.

كيران بصوت منخفض:

- ما الذي يحدث؟

أغمضت ليارا عينيها، وحاولت السيطرة على الطاقة المتدفقة داخلها، لكن أصواتًا عديدة غزت عقلها دفعة واحدة، كانت أشبه بنداءات من ممالك مختلفة، بعضها مألوف وبعضها مجهول تمامًا.

ليارا بهمس متوتر:

- إنه يستدعي الجميع ليس فقط الممالك المعروفة، بل شيئًا آخر ممالك كانت منسية عبر العصور.

فجأة، انطلقت صرخةٌ هائلة من داخل الشق، لم تكن بشرية، ولم تكن شيطانية كانت شيئًا بينهما، شيئًا لا ينتمي لأي عالم معروف، اهتزت القلعة بأكملها، وكاد البعض يسقط من شدّة الذبذبات التي ملأت الهواء.

الصوت الغامض: استعدوا فالماضي سيحكم المستقبل.

ثم انفجرت أضواء متعددة الألوان من الشق، كل لون منها انطلق باتجاه إحدى الممالك، كأنها رسائل قدر لا يمكن تفاديها.

***

في مملكة الرياح، كانت سيلين واقفة على قمة أحد الأبراج العالية، تراقب السماء حين رأت الضوء الأزرق المنطلق نحوها كإعصار يقتلع كل شيء في طريقه، رفعت يدها تحاول صدّه، لكن بمجرد أن لامسها، اجتاح جسدها إحساس غريب لم يكن مجرد قوة، بل ذكريات من أزمان بعيدة، ملوك وملكات سبقوها، أصواتهم تصرخ في عقلها

الأصوات القديمة: أنتِ آخر وريثة لا تدعيهم يأخذون العرش!

ارتجف جسدها وسقطت على ركبتيها، ثم رفعت رأسها ببطء، أنفاسها متقطعة، وعيناها تشتعلان بلهب أزرق غامض.

سيلين بهمس:

- لقد عادوا وقف مستشارها إلياس على بعد خطوات منها، يراقبها بقلق.

إلياس: سيلين؟ ما الذي رأيتهِ؟

رفعت عينيها نحوه، نظراتها لم تكن نظرات ملكة بل محاربة على وشك دخول معركة مصيرية.

سيلين: نحن لسنا وحدنا في هذه الحرب بعد الآن

***

في مملكة اللهب، وقف رايكس داخل معبده المقدس، حيث كان الضوء الأحمر يحوم حوله كلهب حيّ، كان يعلم أن هذه اللحظة ستأتي، لكنه لم يكن مستعدًا لما شعر به عندما اخترقته القوة القادمة، شعر وكأن جسده ينفجر من الداخل، حرارةٌ هائلة تحاول تمزيقه، لكنها لم تكن مجرد نار بل كانت روحًا قديمة، شيئًا محبوسًا داخله طوال هذا الوقت.

رايكس متألمًا:

- ما هذا؟!

تردد صدى صوتٍ في عقله، صوتٌ عميق ومليء بالغضب.

الصوت القديم: لقد نسيتم إرثنا لكننا لم ننسَ.

سقط رايكس على ركبتيه، يلهث، لكنه رفع رأسه ببطء، وعيناه اشتعلتا بلون أحمر داكن.

رايكس بابتسامة باردة:

- إذا كنتم تظنون أنكم تستطيعون السيطرة عليّ فقد أخطأتم الهدف.

ثم نهض، جسده متوهج بالنار، وأعلن بصوت جهوري:

رايكس: احشدوا الجيوش لقد بدأ وقت الانتقام.

***

في مملكة الظلال، جلس أرسان في قاعة العرش، حيث كانت الظلمة تحيط به من كل جانب، كان الضوء الداكن الذي انطلق من الشق قد وصل أخيرًا، لكنه لم يكن ضوءًا بل كان أقرب إلى ظل متحرك.

تحرك الظل حوله، كأنه يحاول ابتلاعه، لكنه لم يتحرك، بل رفع يده، وسمح له بالدخول إلى جسده.

أرسان بهمس:

- وأخيرًا

راقبه مستشاره زافير، الذي لم يستطع إخفاء ارتجافة خوف في صوته.

زافير: سيدي هل هذا آمن؟

ابتسم أرسان، ثم التفت إليه، وعيناه أصبحتا سوداوين بالكامل، وكأنه لم يعد بشريًا.

أرسان: الآمن لم يعد خيارًا بعد الآن اجمعوا الجيوش، سنبدأ الهجوم قبل أن يفكروا حتى بالدفاع.

في القلعة، كانت ليارا لا تزال تترنح من تأثير الطاقة داخلها، بينما وقف كيران بجانبها، يراقبها بقلق، أما فالكر، فكان أكثر هدوءًا من أي وقت مضى، لكن عينيه كانتا تلمعان بدهاء وهو يراقب الشق العظيم.

فالكر: إذن لقد تغيرت القواعد، والجميع الآن مجبرون على اللعب.

ثم استدار إلى ليارا، نظراته مليئة بالغموض.

فالكر: أنتِ مركز كل هذا، لذا عليكِ أن تختاري هل ستقودين الحرب؟ أم ستدعين القدر يقرر مصيركِ؟

نظرت إليه ليارا بعيون اشتعلت فيها شرارةٌ جديدة، ثم رفعت رأسها بثقة وقالت بصوت هادئ لكنه يحمل قوة خفية:

- لن أسمح للقدر أن يقرر هذه الحرب سأقررها بنفسي.

وفجأة، بدأ الشق العظيم يتقلص، وكأن شيئًا داخله كان يتحرك للخروج، شيءٌ لم يكن من هذا العالم.

***

داخل قاعات مملكة اللهب، كان رايكس قد عاد إلى قصره بعد أن اجتاحته النيران القديمة، وقف في قاعة العرش، حيث الجدران منحوتة بوجوه قديمة، ملوك ومحاربون سقطوا في معارك سابقة، لكن أرواحهم لم تُنسَ، ألقى نظرة على المرايا النارية التي تعكس الماضي والحاضر، فرأى مشهدًا غريبًا ليارا واقفة أمام الشق العظيم، تحيط بها الهالات الطيفية، وقلبها يضطرب بين الخوف والغضب.

رايكس بهمس:

- إذن هي المفتاح.

في تلك اللحظة، دخلت كاريسا، مستشارة المملكة، بثوبها الأحمر القاني وعيناها المتوهجتان.

كاريسا: رأيت ما رأيته؟

رايكس: أكثر مما تتخيلين.

تقدمت حتى صارت أمامه، ملامحها متوترة

كاريسا: الممالك تتحرك، الظل خرج من سجنه، الرياح تنادي وريثتها، المياه في اضطراب، وحتى الأرض بدأت تتصدع والفتاة؟

نظر إليها رايكس بصمت، ثم قال بثقة:

- إذا سقطت، ستسقط كل الممالك معها.

كاريسا: وإذا بقيت؟

رايكس: إما أن توحد العالم أو تحرقه بالكامل.

                                         *** في مملكة الرياح، كانت سيلين قد استردت وعيها، لكنها لم تعد كما كانت، مشاعرها، قوتها، وحتى عقلها كل شيء أصبح مختلفًا، وقفت أمام نافذتها، الرياح تحيط بها كأنها جزء منها، وأمامها وقف إلياس، يراقبها بصمت.

إلياس: هل تشعرين بأنهم هنا؟

سيلين: ليس فقط أنهم هنا بل كانوا ينتظرون هذه اللحظة منذ قرون.

التفتت إليه ببطء، عيناها تلمعان بلون أزرق متوهج.

سيلين: إنهم ليسوا مجرد أرواح إنهم يريدون استعادة شيء سُلب منهم.

إلياس مضطربًا:

- استعادة ماذا؟

اقتربت سيلين منه، همست بصوت هادئ لكنه كاد يمزق الهواء من قوته:

- العرش الحقيقي.

***

على الجانب الآخر من العالم، في مملكة المياه، كانت البحار مضطربة، والأمواج تضرب السواحل كأنها تحاول التحدث بلغة منسية. في قلب القصر البحري، كانت أميراليس، ملكة البحار، جالسة أمام مرآة الماء، حيث بدأت الأشكال تتلاعب بداخلها، رأت وجهًا غامضًا وجهًا لم تره منذ زمن بعيد.

الصوت الغامض: الأمواج لا تنسى، والأسرار لا تموت.

ارتجفت يدها وهي تلمس سطح الماء، لكن فجأة امتد ظل أسود داخل المرآة، كأنه يحاول الوصول إليها، سحبت يدها بسرعة، ثم نظرت إلى مساعدها كايل، الذي وقف بجوارها، ملامحه متوترة.

أميراليس: الظلال تتحرك في المياه أيضًا؟

كايل: إنه ليس مجرد ظل بل شيء أقدم من المحيط نفسه.

نظرت إليه، وصوتها حمل يقينًا قاتلًا:

أميراليس: إذن نحن لم نكن سوى لعبة في حرب أكبر مما تصورنا.

***

في مملكة الظلال، كانت القاعة الملكية تزداد ظلامًا أكثر فأكثر، وقف أرسان أمام مرآة الظل الخاصة به، يشاهد تحركات الممالك الأخرى، دخل زافير، مستشاره، يخطو بحذر شديد، كأنه يخشى أن يصبح جزءًا من هذا الظلام المتزايد.

زافير: الجيوش بدأت بالتحرك.

أرسان: كما توقعتُ تمامًا.

اقترب منه زافير، صوته منخفض لكنه يحمل تحذيرًا واضحًا:

- لكن هناك أمرًا آخر فتاة القلعة، ليارا لم تعد كما كانت.

ابتسم أرسان ببرود، ثم استدار ببطء.

- ليارا؟ هه ظننتُ أنها ستكون مجرد دمية بين أيدينا، لكن يبدو أن الأمور تغيرت.

زافير: إذا كانت مفتاح الحرب، فما الخطة؟

نظر إليه أرسان بعينين سوداوين بالكامل، ثم قال بصوت كاد يجمد الهواء:

- إذا كان هناك مفتاح فمن الأفضل أن نمسك به قبل أن يستخدمه أحدٌ آخر.

***

في القلعة المركزية، حيث اجتمع الجميع، كانت ليارا تقف وسط القاعة الكبرى، الجميع ينظر إليها، بعضهم بريبة، وبعضهم باحترام جديد لم يكن موجودًا من قبل، رفع فالكر كأسه، ثم قال بصوت قوي:

- إذن ها نحن هنا، جميعنا في وسط عاصفة لا يمكن إيقافها.

نظرت إليه ليارا، ثم استدارت إلى البقية، صوتها هادئ لكنه يحمل قوة خفية.

ليارا: إذا كنا سنحارب فلا يمكننا أن نفعل ذلك ونحن منقسمون.

تقدمت سيلين خطوة للأمام، عيناها متوهجتان بالرياح العاصفة.

سيلين: هل تعتقدين أننا نستطيع الوقوف في وجه الظل والنار والمياه وكل شيء آخر؟

رفعت ليارا يدها ببطء، ثم قالت بثقة:

- ليس وحدي ولكن معنا جميعًا.

ساد الصمت للحظات، قبل أن يقول كيران، بنبرة ساخرة:

- وهل لديكِ خطة يا ملكة الفوضى؟

ابتسمت ليارا، ثم قالت:

- نعم لكن أولًا، علينا أن نعرف من هم أعداؤنا الحقيقيون.

وفجأة، اهتزت القلعة بالكامل، وانفتحت أبوابها عنوة، ليظهر خلفها جيشٌ كامل جيش الظلال، اهتزت جدران القلعة بقوة، وتردد صدى الضربات العنيفة عبر الأروقة، انفتحت الأبواب الضخمة بعنف، ليدخل جيش الظلال، محاطًا بهالة سوداء مخيفة، وكأن الليل ذاته قد استيقظ ليلتهم الضوء.

وقفت ليارا في المقدمة، عيناها تحملان صلابة جديدة، فيما تحرك فالكر بسرعة، مسحبًا سيفه الطويل، بينما أطلقت سيلين عاصفة هوائية أبعدت المهاجمين مؤقتًا.

فالكر: إذن جاءوا مبكرًا!

ليارا بهدوء:

- بل جاءوا لأنهم يعرفون أن الوقت ينفد.

اندفع أحد جنود الظل نحوها، لكن قبل أن يصل، انطلقت رمح مائي بسرعة البرق، اخترقه وسقط أرضًا بلا حراك، استدارت ليارا لترى أميراليس، ملكة المياه، واقفة عند المدخل، ومعها كايل، الذي رفع يده فتشكلت جدران مائية حولهم للحماية.

أميراليس: لم أكن لأدعكم تواجهون هذا وحدكم.

ابتسمت ليارا بإعجاب، لكن الهجوم لم يتوقف، من الخلف، شقت صاعقة الأجواء، وأصوات الخيول الخيالية دوت في الأفق، قبل أن تهبط سيلين بجناحيها الهوائيين، وتتبعتها مجموعة من مقاتلي الرياح.

سيلين: يبدو أن العاصفة الحقيقية ستبدأ الآن!

***

في قلب مملكة الظلال، كان أرسان يراقب المشهد من مرآته السوداء، لم يكن غاضبًا، بل كان يبتسم كما لو أنه كان يتوقع كل هذا.

أرسان: وأخيرًا بدأوا بالاتحاد، لكنه متأخر جدًا.

دخل عليه زافير، وهو يحمل تقريرًا من الجواسيس المنتشرين في الممالك الأخرى. زافير: الممالك تتحرك لكن هناك أمرٌ آخر، النبوءة القديمة بدأت تتحقق.

رفع أرسان حاجبه، ثم اقترب بخطوات بطيئة من عرشه المظلم.

أرسان: النبوءة ها؟

زافير: إذا استمرت ليارا في تجميعهم، فقد تصبح القوة التي ستكسر الظلال أو تخلق ظلامًا جديدًا لم يشهده العالم من قبل.

ضحك أرسان، ثم قال بنبرة باردة:

- إذن علينا أن نقرر أيهما سيكون.

رفع يده، وفجأة، بدأت الظلال تتحرك حول القلعة، لتبتلع الجنود وتحاصر المقاتلين.

أرسان: حان وقت إنهاء هذه المهزلة.

***

وسط المعركة، شعر فالكر بشيء غير طبيعي، انسحب إلى الخلف للحظات، محاولًا التقاط أنفاسه، لكنه لاحظ ظلًا يتحرك بسرعة، يقترب من ليارا من الخلف.

فالكر: ليارا! خلفك!

استدارت ليارا بسرعة، لكنها لم تستطع رؤية شيء إلى أن شعرت بسكين بارد يقترب من عنقها.

؟؟؟: لم أتوقع أن تكوني بهذه الحذر لكن هذا لا يكفي.

كان الصوت مألوفًا، ولكن غير متوقع، نظرت ليارا بعينيها المتسعتين، غير مصدقة.

ليارا: أنت؟

ظهر من الظلال كيران، أحد الأشخاص الذين كانت تثق بهم، وقد أمسك بها من الخلف، وسكينه موجه نحو رقبتها.

كيران: أنا آسف، يا ملكة الفوضى لكن بعض الأوامر لا يمكن تجاهلها.

صُدمت سيلين وفالكر، فيما نظر الجميع نحو الخيانة الواضحة، لكن قبل أن يتمكن أي شخص من التحرك، انفجر المكان بضوء أسود قاتم وبدأت الأرض تتصدع تحت أقدامهم، الظلام كان أقوى مما ظنوا، والخيانة كانت أقرب مما توقعوا.

تعليقات