رواية أويكاثوس الفصل الثامن بشري إياد
أويكاثوس الفصل الثامن بشري إياد
أويكاثوس
البارت الثامن
وقف الجميع في قاعة الاجتماعات، لا يزال وقع الخبر المروع عن مقتل إيرن يخيّم على الأجواء، كانت ليارا تحاول استيعاب الموقف، لكنها شعرت أن الأمور تتسارع بطريقة لا يمكن السيطرة عليها.
فالكر بصوت منخفض لكن حاد:
- هذا يعني أن الخائن تحرك بالفعل، لم يعد الأمر مجرد شكوك.
ليارا بعينين حادتين:
- لكن لماذا الآن؟ ولماذا إيرن بالذات؟
قبل أن يتمكن أحد من الرد، اقتحم أحد الحراس القاعة، وجهه شاحب وكأنه رأى شبحًا.
الحارس يلهث:
- جلالة الأميرة! لدينا رسالة وُجدت بجوار جثة القائد إيرن!
تقدمت ليارا بسرعة، انتزعت الرسالة من يده، وقبل أن تفتحها، نظرت إلى القادة المحيطين بها، شعرت بثقل نظراتهم، كل منهم كان متوترًا، وكأنهم يعرفون أن ما بداخل هذه الورقة قد يغيّر كل شيء.
فتحت الرسالة ببطء، وكانت الكلمات المكتوبة بداخلها كأنها وُضعت لتُثير الرعب أكثر من أن تُخبر بحقيقة:
- لقد بدأنا هل أنتم مستعدون للعبتنا؟
نظرت ليارا إلى الرسالة، ثم رفعت عينيها ببطء، وقالت بصوت بالكاد يُسمع:
- إنه لوسيان.
***
في مملكة الظلال، كان لوسيان جالسًا في غرفته المظلمة، يراقب الخريطة التي رسمها بنفسه لكل الممالك المتصارعة، أمامه كان داريوس واقفًا بصمت، ينتظر أوامره التالية.
لوسيان بابتسامة باردة:
- مات إيرن، وأعتقد أن الفوضى قد بدأت.
داريوس: لكن هل تعتقد أنهم سيستسلمون بسهولة؟ خاصة ليارا؟
ضحك لوسيان، ثم نهض وسار ببطء حول الغرفة، قبل أن يقول بثقة:
- أنا لا أريد استسلامهم، بل أريدهم أن يشكوا ببعضهم البعض هذا هو سلاحنا الحقيقي.
ثم التفت إلى داريوس وأردف:
- لقد حان الوقت للخطوة التالية.
***
في قصر مملكة النور، بدأ الشك يتغلغل داخل نفوس القادة، لم يكن أحد يثق في الآخر، حتى ليارا نفسها لم تكن متأكدة إن كان من بجوارها صديقًا أم عدوًا متنكرًا، في ذلك المساء، كانت مايرا، إحدى مستشارات القصر، تسير في أحد الممرات، تبحث عن فالكر، لكنها شعرت بشيء غريب وكأن أحدهم يراقبها، أسرعت خطواتها، لكنها فجأة سمعت صوتًا خلفها، التفتت بسرعة، لكن لم يكن هناك أحد، تنفست بعمق، محاوِلة أن تسيطر على نبضات قلبها، ثم تابعت سيرها، لكنها لم تكن تعلم أن عينين كانتا تراقبانها من الظلال، تنتظر اللحظة المناسبة للتحرك.
***
في أحد الأبراج المهجورة داخل القصر، اجتمع فالكر مع اثنين من الضباط الموثوق بهم، كانوا يعرفون أن الوضع أصبح أكثر خطورة، وأن أي خطوة خاطئة قد تعني نهايتهم.
فالكر: العدو يعرف كل تحركاتنا لابد أن الخائن لا يزال بيننا.
أحد الضباط: لكننا راقبنا الجميع، لا يوجد أحد مشبوه!
فالكر: هذا يعني أن الخائن أذكى مما نعتقد وربما يكون شخصًا لم نضعه في الحسبان.
تبادلوا النظرات، قبل أن يضيف الضابط الآخر بحذر:
- أو ربما أكثر من شخص واحد.
ساد الصمت لوهلة، قبل أن يُسمع صوت انفجار هائل يهز القصر! ارتفعت أعمدة الدخان، وتردد صدى الصراخ في أرجاء المملكة، هرع الجميع نحو مصدر الانفجار، وعندما وصلوا إلى الساحة الرئيسية، وجدوا شيئًا جعل الدم يتجمد في عروقهم، راية مملكة الظلال كانت ترفرف وسط الركام.
فالكر بصدمة:
- لقد بدأ الهجوم.
***
في تلك الليلة، لم يكن هناك وقت للراحة مملكة الظلال أعلنت الحرب رسميًا، لكن الهجوم لم يكن كما توقع الجمي، لم تكن هناك جيوش جرارة، بل عمليات اختراق، تفجيرات داخلية، واغتيالات في زوايا القصر، كانت حربًا من نوع آخر حرب الظلال.
أما ليارا، فكانت واقفة وسط القاعة، عيناها تشتعلان بالغضب، لكنها لم تسمح للخوف أن يسيطر عليها، استلت سيفها وقالت بصوت قوي:
- إذا أرادوا الحرب فليأتوا بها، وسنريهم من نحن!
وانطلقت العاصفة
*** كانت الليلة مظلمة، لكن القصر لم يكن هادئًا، بين أصوات الخطى المتسارعة والهمسات الحذرة، كانت ليارا واقفة في شرفتها، تنظر إلى الأفق حيث تتصاعد أعمدة الدخان من المدينة، الحرب بدأت بالفعل، والمملكة لم تعد كما كانت.
لكن وسط كل هذه الفوضى، كان هناك شعور آخر ينمو داخلها، شعور لم تفهمه جيدًا الخوف؟ التوتر؟ أم شيء أكثر تعقيدًا؟ لم تكن وحدها خلفها، وقف فالكر بصمت، عيناه تتابعان ملامحها وهي تتأمل الظلام الممتد أمامها.
فالكر بصوت هادئ:
- تفكرين كثيرًا.
استدارت إليه، نظرت إلى وجهه المتعب، ثم قالت:
- وكيف لا؟ لقد أصبحنا في قلب العاصفة.
تقدم خطوة نحوها، وقبل أن يرد، دوّى صوت انفجار آخر في الأفق، جعلها تشهق وترفع رأسها بسرعة، لكنها شعرت بيده تمسك بيدها بلطف، كأنها تُعيدها إلى الواقع.
فالكر بنبرة دافئة، رغم الجدية في عينيه:
- لن أدع شيئًا يمسكِ بسوء، هذا وعد.
تجمدت للحظة، شعرت بحرارة كلماته تلامس قلبها، منذ متى أصبح صوته يبعث فيها هذا الشعور؟ منذ متى أصبحت نظراته تثير اضطرابها؟ أرادت أن ترد، أن تقول شيئًا، لكنها لم تجد الكلمات.
أما هو، فكان يعلم أن هذه الحرب لن تأخذ منه المملكة فقط، بل قد تأخذ مشاعره أيضًا لكنه لم يكن مستعدًا لخسارتها بعد.
***
في أحد الممرات الخلفية للقصر، كانت مايرا تسير بخطى سريعة، تشعر أن هناك شيئًا خطأ، منذ أن بدأ الهجوم، والجميع في حالة من التوتر، لكن هناك شيء آخر، إحساس غريب يلازمها، وفجأة، ظهر أمامها داريوس، واقفًا بهدوء كأنه كان ينتظرها.
مايرا بتوجس:
- ما الذي تفعله هنا؟
ابتسم نصف ابتسامة، ثم قال:
- أبحث عن إجابات، تمامًا مثلك.
نظرت إليه بعينين حادتين، لم تكن تثق به تمامًا، لكن شيئًا ما في صوته جعلها تتوقف عن الشك للحظة.
مايرا: وهل وجدت ما تبحث عنه؟
اقترب خطوة منها، صوته أصبح أكثر انخفاضًا وهو يقول:
- ربما لكن بعض الأجوبة تحتاج إلى شخص يساعدني في كشفها. لم تفهم قصده تمامًا، لكن الطريقة التي نظر بها إليها جعلتها تشعر وكأنها تُجر إلى دوامة أخرى غير الحرب دوامة لا تقل خطورة عنها.
***
في زاوية أخرى من المملكة، كان لوسيان يجلس على كرسيه الذهبي، عيناه تتابع خريطة المملكة أمامه، بينما كان أحد رجاله يضع تقريرًا عن التفجيرات الأخيرة.
الرجل: لقد نجحنا في إدخال الفوضى، لكن المقاومة ما زالت قوية.
ابتسم لوسيان بسخرية، ثم نهض ببطء وقال:
- المقاومة القوية هي ما يجعل النصر ممتعًا.
نظر إلى الخريطة، ثم همس لنفسه:
- لكن هناك شيء ناقص آه، صحيح، قلب الأميرة.
ثم التفت إلى أحد رجاله وأردف:
- راقبوا ليارا عن قرب أريد أن أعرف من يهمها أمره أكثر من المملكة نفسها.
كانت هذه الحرب بالنسبة له أكثر من مجرد صراع على العرش، كانت لعبة لعبة يجب أن يفوز بها.
*** في القصر، كانت ليارا تحاول أن تجد لحظة هدوء وسط كل هذا الجنون، جلست في حديقة القصر، حيث كانت الورود الحمراء لا تزال مزهرة رغم الدمار المحيط بها، لكنها لم تكن وحدها كان فالكر هناك أيضًا، جلس بجوارها بصمت، ثم قال بعد لحظات:
- أتعلمين؟ هذه أول مرة أرى فيها الخوف في عينيكِ.
نظرت إليه، وكادت أن ترد، لكنه أكمل بهدوء:
- لكن هذا لا يجعلك ضعيفة بل يعني أنك تهتمين.
شعرت كلماته تلمس شيئًا عميقًا داخلها، شيء لم ترد الاعتراف به.
ليارا بهمس:
- أنا فقط لا أريد أن أفقد المزيد.
نظر إليها للحظات، ثم قال بصوت أكثر دفئًا:
- ولن تفقدي على الأقل، ليس أنا.
رفعت عينيها إليه، التقت نظراتهما للحظات، وكان هناك شيء في الهواء شيء لم يكن مجرد كلمات، لم يكن الحب واضحًا بعد، لكنه كان ينمو وسط النيران، وسط الدمار، وسط الحرب، كان هناك قلبان بدأا ينبضان بإيقاع مختلف، لكن هل سيمنحهم القدر الوقت الكافي؟
***
في إحدى زوايا القصر البعيدة، حيث لا تصل الأعين بسهولة، كان داريوس ينتظر عيناه مسلطة على الباب الحجري أمامه، كانت الرياح الباردة تتسلل عبر الشقوق، تحمل معها رائحة الحرب التي بدأت تلتهم المملكة ببطء.
فُتح الباب بهدوء، ودخل لوسيان، مرتديًا عباءته السوداء، نظراته مليئة بالثقة والخطر.
لوسيان بصوت ساخر:
- لم أتوقع أن تأتي بهذه السرعة، أهذا شوق لرؤيتي؟
داريوس ببرود:
- أقل من ذلك بكثير، لكن لدينا عمل.
تقدم لوسيان ببطء، ثم قال:
- إذاً؟ هل قررت أخيرًا اختيار الجانب الصحيح؟
ضحك داريوس بمرارة، ثم رد:
- الجانب الصحيح؟ في هذه الحرب، لا يوجد شيء صحيح.
اقترب لوسيان أكثر، وعيناه تتفحصان وجه داريوس بتمعن، ثم قال بنبرة خافتة:
- إذن، ما الذي تريده بالضبط؟
نظر إليه داريوس نظرة طويلة، ثم قال بصوت منخفض:
- أريد الحقيقة.
في قاعة العرش، كانت ليارا واقفة أمام مستشاري المملكة، والقلق ينهش ملامحهم.
أحد المستشارين: مولاتي، الوضع يزداد سوءًا الأعداء يقتربون.
كانت تعلم ذلك جيدًا، لكنها لم تكن مستعدة للاستسلام، استدارت إلى فالكر، الذي كان واقفًا بجانبها، وقالت بحزم:
- علينا أن نتحرك، لا يمكننا البقاء في موقف الدفاع للأبد.
فالكر بهدوء، لكن بنظرة قوية:
- أوافقك الرأي، لكن علينا أن نعرف من نثق به.
نظر كلاهما إلى بقية القاعة، حيث كان بعض النبلاء يبدون مترددين وبعضهم خائفًا، لكن ليارا لم تكن خائفة، كانت غاضبة مصممة وعيناها اشتعلتا بلهب العزم.
ليارا: إذن فلنبدأ الحرب.
***
في تلك الليلة، جلست ليارا في شرفتها مجددًا، تنظر إلى السماء، محاولة أن تجد لحظة من السكينة وسط الفوضى، لكنها شعرت بحضور خلفها كان فالكر.
فالكر بصوت هادئ:
- لا يمكنكِ النوم، صحيح؟
التفتت إليه، نظرت إلى ملامحه القوية، إلى الطريقة التي كان ينظر بها إليها، وكأنها الشيء الوحيد الثابت وسط هذه العاصفة.
ليارا بابتسامة حزينة:
- كيف يمكنني؟ غدًا قد لا يكون هناك غد.
اقترب منها، نظر إلى عينيها مباشرة، ثم قال:
- سنصنع الغد بأيدينا وسننجو.
للحظة، شعرت أنها تريد تصديقه لكنها كانت تعلم أن الحرب لا تعرف الرحمة، وبينما كانت على وشك أن ترد، مدّ يده ولمس يدها بلطف، كأنه يريد أن يمنحها بعض الطمأنينة، وللمرة الأولى لم تسحب يدها، لكن، هل سيكون هذا الشعور كافيًا لإنقاذهم من مصير مجهول؟
***
في فجر اليوم التالي، دقّت طبول الحرب، لوسيان كان أول من تحرك، جيشه اجتاح الحدود بسرعة، مخلفًا وراءه الخراب، بينما كان داريوس يراقب من بعيد، عيناه تائهتان بين الولاء والخيانة، أما في القصر، فكانت ليارا قد ارتدت درعها الذهبي، واقفة إلى جانب فالكر، مستعدة لمواجهة مصيرها.
فالكر: لا مجال للتراجع الآن. ليارا بحزم:
- ولم أكن أفكر في ذلك أصلًا.
ثم، بصوت مليء بالقوة، رفعت سيفها وقالت:
- لنبدأ اللعبة، وليرى الجميع من سيحكم هذه الأرض حقًا!
لكن، هل كانت مستعدة للحقيقة التي ستكشفها الحرب؟
