رواية أويكاثوس الفصل الثاني بشري إياد
أويكاثوس الفصل الأول بشري إياد
أويكاثوس
البارت الثانيفي وسط الساحة المضاءة بمشاعل الزيت، علت الأصوات المتوترة، واختلطت بالهمسات القلقة والصيحات المرتعبة، الأطفال تشبثوا بأمهاتهم، والرجال تبادلوا النظرات المتوترة، بينما أخذ الحراس يشحذون سيوفهم.
وقف ألتير عند منصة الحراسة، يراقب القادمين من البوابة الغربية كان هناك حوالي عشرة رجال، يرتدون معاطف طويلة سوداء، مزينة برموز غامضة تشبه طلاسم قديمة، وجوههم مخفية تحت أقنعة فضية تعكس نور المشاعل، وأعينهم كانت ثابتة على القرويين.
تقدم قائدهم، رجل طويل القامة، يرتدي قناعًا مختلفًا محفورًا عليه رمز يشبه مخلب الذئب، عندما نطق، كان صوته أجشًا لكنه هادئ، وكأنه يحمل ثقل القرون الماضية:
- من هنا شاهد مقتل الرجل؟
نظر الجميع إلى بعضهم البعض بصمت، لكن ليارا شعرت بحرارة نظراتهم تتجه نحوها، شعرت بشيء غريب كما لو أن هؤلاء الرجال لم يأتوا للبحث عن القاتل، بل عن شيء آخر شيء يخصها، تقدم ألتير خطوة وقال بحزم:
- من أنتم؟ وما علاقتكم بهذا الحادث؟ رفع القائد رأسه ببطء، وركز عينيه على ألتير:
- نحن صيادو الظلال، ونحن هنا لأن الدم المسفوك هذه الليلة ليس دمًا عاديًا.
- ماذا تقصد؟
سأل ألتير، لكن ليارا قاطعته بصوت منخفض:
- إنه مرتبط بالليل.
نظر الجميع إليها بدهشة، بينما التفت إليها القائد ببطء، وكأنه كان يتوقع ردها.
- أنتِ رأيتِ شيئًا، أليس كذلك؟
تراجعت ليارا خطوة، أنفاسها مضطربة، لكن قبل أن تجيب، قاطعهم صوت من الخلف:
- لا تلمسها!
التفت الجميع نحو مصدر الصوت، ليظهر شاب ذو شعر أسود طويل وعينين بلون الكهرمان، يرتدي درعًا خفيفًا من الجلد الداكن، وسيفًا معقوفًا يتدلى من خصره، بدا وكأنه خرج من العدم، لكنه كان مألوفًا للبعض.
- زين !
تمتم أحد القرويين، كان زين محاربًا رحالًا، غامضًا بالنسبة لمعظم أهل القرية، لكنه كان معروفًا بشجاعته، لم يكن أحد يعلم الكثير عن ماضيه، لكنهم كانوا يعرفون أنه لا يتدخل إلا عندما يكون هناك خطر حقيقي، تقدم ببطء، عينيه مسمرة على قائد الصيادين:
- لن تأخذوها، لا الليلة، ولا في أي ليلة أخرى.
التقى نظره بنظر القائد، ولفترة وجيزة، ساد صمت ثقيل كأن الهواء نفسه توقف عن الحركة، وأخيرًا، تحدث القائد بصوت خافت:
- إذن لقد وجدوها.
***
في تلك الليلة، لم تهدأ الأوضاع في القرية، كان الجميع يشعر بأن هناك شيئًا غير طبيعي يحدث، وكأن الهواء أصبح مشبعًا بطاقة خفية، جلست ليارا في غرفتها، تنظر إلى يدها التي لمست الدم سابقًا، كان هناك شعور غريب يسري في جسدها، إحساس لم تفهمه بعد، لم تكن خائفة لكنها شعرت وكأن هناك شيئًا في داخلها يستيقظ، فجأة، شعرت بوخزة غريبة في قلبها، تزامنت مع صوت همسة لم تسمعها من قبل:
- ليارا لقد بدأت النبوءة.
شهقت، والتفتت حولها بسرعة، لكن الغرفة كانت فارغة، قلبها كان ينبض بسرعة، وشعور بالخوف تملكها، من الذي نادها؟ وكيف سمعت هذا الصوت داخل عقلها؟ نهضت من سريرها بسرعة، وقررت أنها لن تبقى وحدها، غادرت المنزل بخطوات متسارعة، متجهة إلى الساحة حيث كان ألتير وزين ما زالا يتحدثان مع بعض القرويين، بمجرد أن وصلت، التفت إليها زين مباشرة، وكأنما شعر بها قبل أن يراها، عيناه انعكست فيها أضواء المشاعل، لكنه لم يقل شيئًا، فقط انتظر أن تتحدث، أخذت نفسًا عميقًا وقالت بصوت منخفض:
- هناك شيء ما يحدث لي
بادل ألتير وزين النظرات، ثم تحدث زين بصوت هادئ:
- هذا لأن الدم الذي رأيته الليلة لم يكن دمًا عاديًا.
***
لم يمضِ وقت طويل حتى تعالت صرخات من الجهة الشمالية للقرية، انطلقت مجموعة من الرجال نحو المصدر، ولم يكن هناك وقت للتساؤلات، ركضت ليارا خلفهم، رغم اعتراض ألتير، لكن زين لم يحاول إيقافها، عندما وصلوا إلى الحافة الشمالية، وجدوا الأرض متشققة وكأنها تعرضت لضربة عنيفة، في وسط الدمار، كانت هناك بوابة حجرية ضخمة لم تكن موجودة من قبل، لم يكن هناك شك هذه لم تكن مجرد بوابة، بل كانت بوابة الظلام، وقف الجميع في صدمة، بينما تقدم أحد الحراس بحذر نحوها، مدّ يده ليلمس النقوش القديمة عليها، لكن قبل أن يلمسها، ارتج المكان بصوت صاخب، وانبعثت منه رياح باردة كأنها قادمة من عالم آخر، وفجأة، بدأ شيء ما بالخروج منها، عينان متوهجتان باللون الأحمر وصوت همسات مخيفة تملأ الهواء، هذه لم تكن مجرد حادثة هذه كانت بداية اللعنة.
***
عندما انفتحت البوابة، تدفقت منها رياح باردة كأنها تحمل أنفاس الموتى، تجمد الجميع في أماكنهم، يحدقون في العتمة التي بدأت تبتلع الضوء من حولهم، ثم خرجت منه يدٌ طويلة نحيلة، سوداء كالفحم، تنتهي بأصابع ذات مخالب حادة، صرخ الحارس الذي كان الأقرب، وتراجع بسرعة، لكن شيئًا غير مرئي دفعه بقوة إلى الوراء، فسقط مرتطمًا بالحائط الحجري.
انتشر الدخان الأسود من البوابة، وكأنه يمتد ليغلف القرية شيئًا فشيئًا، وسط ذلك الظلام، ظهرت عينان حمراء متوهجتان، تلمعان كجمر مشتعل، همسات غريبة بدأت تتصاعد من الفراغ، وكأنها أصوات عشرات الأرواح تتحدث بلغة غير مفهومة.
أخذ ألتير خطوة إلى الخلف، ويده على مقبض سيفه، بينما رفع زين سيفه ببطء، متأهبًا لأي هجوم، لكن ليارا لم تتحرك، كانت تشعر بجسدها يرتجف، ليس من الخوف بل من شيء آخر، إحساس غريب، وكأن الدم الذي رأته في تلك الليلة قد استيقظ داخلها، يهمس لها بشيء لا تفهمه بعد، ثم فجأة، سمع الجميع صوتًا قادمًا من داخل البوابة: - لقد تأخرتِ كثيرًا ليارا.
اتسعت عيناها في صدمة، وأحست أن الهواء قد فرّ من رئتيها، كيف يعرف هذا الشيء اسمها؟ ومن يكون؟ التفت زين نحوها بسرعة، صوته منخفض لكنه حاد:
- هل تعرفينه؟
هزّت رأسها نفياً بسرعة، لكنها لم تكن متأكدة، كان هناك شيء مألوف في هذا الصوت كأنها سمعته من قبل، في كابوس، أو ربما في ذكرى لم تعشها قط.
- من أنت؟!
صرخ ألتير، محاولًا مواجهة المجهول الذي أمامه، ضحك الصوت، وكانت ضحكته ثقيلة كأنها تخرج من أعماق الأرض، ثم بدأ الشكل داخل البوابة يتضح أكثر، كان طويلاً، أطول من أي إنسان طبيعي، جسده مغلف بعباءة سوداء تتماوج وكأنها مصنوعة من الظلال نفسها، وجهه لم يكن واضحًا، فقط عيناه المتوهجتان وثغر ينحني بابتسامة غامضة.
- أنا مجرد ظل من الماضي، جاء ليطالب بحقه.
رفع يده ببطء، وفي لحظة، بدأ الهواء من حولهم يتثاقل، شعر الجميع بضغط رهيب على صدورهم، وكأنهم لا يستطيعون التنفس، لكن ليارا كانت الوحيدة التي لم تتأثر على العكس، شعرت بشيء بارد يتسلل إلى داخلها، يصل إلى أعماقها، ثم سمعت الصوت مجددًا، لكن هذه المرة داخل رأسها:
- تعالي فمصيرك مكتوب منذ الأزل.
أحست بأقدامها تتحرك من تلقاء نفسها، وكأن هناك قوة خفية تسحبها نحو البوابة.
- ليارا! توقفي!
صرخ زين، لكنه لم يستطع الوصول إليها، كأن حاجزًا غير مرئي كان يمنعه من التقدم، اقتربت أكثر كانت تشعر وكأنها تسير في حلم، كل شيء من حولها أصبح ضبابيًا، والأصوات تلاشت، وعندما وصلت إلى حافة البوابة، امتدت يد الظل نحوها، لكن شيء انفجر في الهواء، وميض أزرق ناري اندفع بين ليارا والمخلوق، جعلها تستيقظ من شرودها وتتراجع إلى الخلف بسرعة، في اللحظة ذاتها، أطلق زين سيفه بسرعة، ليصطدم بنصل غير مرئي قبل أن يعود إليه مجددًا، أطلق المخلوق زمجرة حادة، ثم بدأ الدخان يتراجع ببطء، وعادت البوابة لتنغلق شيئًا فشيئًا، قبل أن يختفي بالكامل، همس الصوت مجددًا:
- قد تظنون أنكم نجوتُم لكن هذه ليست سوى البداية.
ثم حلّ الصمت.
***
استغرق الأمر عدة دقائق قبل أن يجرؤ أحد على الحركة، ألتير كان يتنفس بصعوبة، وزين ظل يحدّق في المكان الذي كانت فيه البوابة، وعيناه تضيقان بحذر، أما ليارا فكانت تلتقط أنفاسها بصعوبة، قلبها ينبض بعنف، لم تفهم تمامًا ما حدث، لكنها شعرت أن جزءًا منها قد تغير، اقترب زين منها، عينيه مثبتتان على وجهها:
- أنتِ لستِ فتاة عادية، أليس كذلك؟
لم تستطع الإجابة لأنها بدأت تفكر في نفس الشيء، لكن قبل أن تنطق همس لها شيء في داخلها، صوت ليس من هذا العالم:
- لقد بدأت رحلتك ليارا وعليكِ أن تكتشفي من أنتِ حقًا.
وقف الجميع في صمت بعد اختفاء البوابة وكأن المكان قد ابتلع كل الأصوات، لم يكن أحد قادرًا على استيعاب ما حدث، إلا أن نظراتهم كانت تقول كل شيء، زين كان أول من تحدث، صوته هادئ لكنه حاد:
- هذا لم يكن مجرد ظهور عابر هذا الشيء يعرفكِ يا ليارا.
التفتت إليه ليارا بارتباك، شعرت وكأن دمها أصبح أثقل في عروقها، لم تكن تستطيع تفسير ذلك، لكنها كانت متأكدة أن ما حدث لم يكن مصادفة، ألتير الذي كان يستند إلى جدار قريب، قال وهو يعيد ترتيب أفكاره: - لم تكن مجرد بوابة بل كانت مفتاحًا لشيء أكبر والسؤال هو لماذا ظهرت الآن؟ ومن فتحها؟
ليارا شعرت بضيق في صدرها، وكأن هناك ذكرى غامضة تحاول أن تطفو على السطح لكنها لم تستطع الإمساك بها، لكن قبل أن يتمكن أحد من الحديث أكثر، سُمع صوت خطوات قادمة بسرعة من الممر الحجري المؤدي إلى المعبد، كان الحارس الذي سقط سابقًا، لكنه لم يكن وحده بل كان خلفه رجل مسن ذو لحية رمادية وملامح صارمة، يرتدي عباءة داكنة، تتدلى منها تعويذات وأحجار قديمة.
وقف الجميع بحذر، وعندما وصل الرجل إلى منتصف القاعة، حدّق في المكان حيث اختفت البوابة، ثم قال بصوت عميق:
- إذن لقد استيقظ أخيرًا.
ألتفت إليه ألتير بحدة:
- من أنت؟ وماذا تقصد بكلامك؟
نظر إليه العجوز بعينين مليئتين بالمعرفة، ثم قال بهدوء:
- اسمي الشيخ داريوس وأنا الوحيد الذي يعرف قصة هذه اللعنة.
سادت لحظة صمت مشحونة بالتوتر، قبل أن يسأل زين بصوت منخفض:
- أي لعنة؟
أدار داريوس نظره نحو ليارا، وكأن عينيه كانتا تخترقان روحها، ثم قال:
- اللّعنة التي ولدت مع إرث الدم.
شعرت ليارا بقشعريرة تسري في جسدها، لكنها تماسكت وسألته مباشرة:
- ماذا تعني بإرث الدم؟
اقترب داريوس منها ببطء، ثم قال بنبرة غامضة:
- لا يمكنني إخباركِ بكل شيء الآن، لكن ما رأيتِه اليوم ليس مجرد كيان مظلم إنه ظلٌ من ماضيكِ، ماضي أسلافكِ، ولسبب ما، عاد ليطالب بما يخصه.
عقدت ليارا حاجبيها، محاولة فهم كلامه، لكنها شعرت أن شيئًا ثقيلًا بدأ يستقر في قلبها، ماذا لو كان هذا الرجل على حق؟ وماذا لو أن هذا الكائن كان يبحث عنها شخصيًا؟
زين، الذي لم يكن مرتاحًا لهذا الحديث قال بحدة:
- إذا كنت تعرف الكثير، فمن الأفضل أن تخبرنا بكل شيء، وإلا فلن نثق بك.
ضحك داريوس ضحكة خافتة، ثم قال:
- الثقة شيء نادر في هذه الأيام، ولكن إن كنتم ترغبون في النجاة، فعليكم الاستماع إليّ جيدًا.
ثم رفع يده، وكأن شيئًا ما داخل المعبد استجاب له فجأة، بدأت الجدران الحجرية تتوهج بنقوش قديمة لم تكن ظاهرة من قبل، رموز غريبة بدأت تظهر، تتحرك ببطء كما لو كانت تحكي قصة منسية، أشار داريوس إلى نقش كبير في منتصف الجدار وقال بصوت جاد:
- هذه القصة بدأت منذ قرون عندما وُلدت أول حارسة للدم.
نظرت ليارا إلى النقش فرأت امرأة شابة تقف وسط معركة دموية، تحمل خنجرًا مشعًا، وحولها أجساد مخلوقات ذات عيون حمراء، شعرت بقلبها ينبض بقوة، وكأن هذه الصورة ليست مجرد نقش على جدار بل ذكرى من حياة سابقة.
- حارسة الدم.
تمتمت بصوت منخفض، قبل أن ترفع نظرها نحو داريوس، وعينيها مليئتان بالأسئلة، ابتسم داريوس ابتسامة غامضة، ثم قال:
- أجل، وأنتِ وريثتها.
