أخر الاخبار

رواية أويكاثوس الفصل الثالث بشري إياد

رواية أويكاثوس الفصل الثالث بشري إياد

رواية أويكاثوس الفصل الثالث بشري إياد

أويكاثوس الفصل الثالث بشري إياد 

أويكاثوس

 البارت الثالث

كانت الكلمات الأخيرة التي قالها داريوس تُدوّي في عقل ليارا مثل صدى لا ينتهي:

- وأنتِ وريثتها.

شعرت بأن الأرض تهتز تحت قدميها، وكأن الواقع الذي تعرفه بدأ يتلاشى، لم يكن هناك وقت لاستيعاب الصدمة، لأن المعبد بأكمله بدأ يهتز فجأة، و وميض أرجواني انبثق من النقوش القديمة على الجدران، ألتير أمسك بمقبض سيفه، وزين أطلق نظرة حادة نحو داريوس وقال بصرامة:

- ماذا فعلت؟!

ابتسم داريوس ابتسامة خفيفة وأجاب بهدوء:

- لم أفعل شيئًا إنه فقط استجاب لوجودها.

قبل أن يتمكن أحد من طرح المزيد من الأسئلة، انفتحت فجأة بوابةٌ سحرية وسط القاعة، دوّامة من الظلام والأضواء المتراقصة، ومن داخلها، خرج رجلٌ طويل القامة، مرتديًا درعًا فضيًا يحمل شعار تنين أسود، بدا كأنه خرج من حقبة قديمة، وعيناه الرماديتان تفحصان المكان بحدة قبل أن يستقر نظره على ليارا مباشرة.

- وأخيرًا وجدتكِ.

بصوت عميق ومخيف، أعلن الرجل وجوده كما لو كان يعرف ليارا منذ زمن لكنها لم تكن تعرفه أو هكذا اعتقدت، داريوس تقدم خطوة إلى الأمام وقال للرجل بلهجة متوجسة:

- لم أتوقع أن تكون مملكة نيميريا أول من يصل.

نظر إليه الرجل نظرة باردة قبل أن يقول:

- مملكة نيميريا لا تنسى ديونها، ووجود الحارسة يعني أن الحرب القديمة لم تنتهِ بعد.

لم يكد الرجل ينهي كلماته، حتى اهتزت القاعة من جديد، وانفتحت بوابةٌ أخرى، هذه المرة كان الضوء المتوهج الذي خرج منها ذهبيًا، وظهر منها فارسٌ يرتدي عباءة بيضاء بخيوط ذهبية، يحمل رمحًا منقوشًا برموز مقدسة، قال بصوت هادئ لكنه ممتلئ بالكبرياء:

- نيميريا ليست الوحيدة التي ستشارك في هذا الصراع مملكة إلفيورا لن تبقى صامتة.

زين تمتم لنفسه:

- ممالك أخرى؟ الأمور بدأت تتعقد

لكن قبل أن يهدأ الموقف، انفتح شقٌ أرجواني في الهواء، وخرجت منه امرأة طويلة القامة، ذات شعر أسود كثيف وعينين بلون الياقوت البنفسجي، كان لباسها مزيجًا من الحرير والدروع المعدنية، ووشاحها يحمل رمز غراب أسود مُجنّح، نظرت إلى الجميع بابتسامة غامضة قبل أن تقول:

- لا يمكن لمملكة داركين أن تفوّت هذا الحدث.

ألتير، الذي كان يراقب كل ما يحدث بتركيز، قال بصوت منخفض:

- إذن جميعهم جاءوا بسببها.

نظرت ليارا إلى الأشخاص الذين ظهروا أمامها، وكل واحد منهم يمثل مملكة مختلفة قوى لم تكن تعرف بوجودها حتى اليوم، داريوس أدار نظره نحوها وقال بهدوء:

- هذا ليس سوى البداية لأن هناك ممالك أخرى ستأتي قريبًا.

***

وقف ممثلو الممالك الثلاث في مواجهة بعضهم البعض، وكل واحد منهم يحمل نظرات مختلفة، رجل نيميريا كان جامد الملامح، وكأنه يقيم قوة ليارا قبل اتخاذ أي خطوة، فارس إلفيورا بدا حازمًا، وكأن لديه مهمة يجب أن ينفذها مهما كان الثمن، المرأة من داركين كانت مبتسمة، وكأنها تستمتع بهذه الفوضى، لكن ليارا لم تكن مستعدة بعد لهذه المواجهة، تقدّم فارس إلفيورا خطوة للأمام وقال بصوت واضح:

- لدينا جميعًا مطالب لكن القرار الأخير ليس لنا، الحارسة وحدها من تقرر أي طريق ستسلكه.

نظرت إليه ليارا بصدمة:

- ماذا تقصد؟

أجابها رجل نيميريا ببرود:

- أقصدِ أن كل مملكة تحتاجكِ لسبب مختلف لكن عليكِ اختيار من ستقاتلين معه.

ارتجفت أنفاسها، أي مملكة ستختار؟ وأي طريق ستسلك؟

داريوس نظر إليها بجدية قبل أن يهمس لها:

- حذاري يا ليارا هذه ليست مجرد حرب بين الممالك إنها لعبة العروش الخفية، وأنتِ القطعة الأهم فيها.

نظرات الجميع كانت مركزة على ليارا، وكأنها أصبحت المفتاح الذي سيغيّر مصير العالم، كل مملكة تريدها بجانبها، وكل خطوة تخطوها قد تقرر شكل الحرب القادمة، لكنها لم تكن مستعدة لهذا القرار.

- أنا لا أفهم

تمتمت بصوت متردد:

- كيف لي أن أختار بينكم؟

اقترب فارس إلفيورا ببطء، سلاحه يتوهج بضوء ذهبي خافت، وقال بحزم: - لأنكِ الوريثة ووجودكِ في صف أحدنا سيمنحه تفوقًا على الآخرين.

قاطعه رجل نيميريا بصوت حاد:

- بل لأنها الوحيدة التي تستطيع إعادة توازن القوى، أعداء الماضي عادوا، وإن لم نكن متحدين، فمصير الممالك جميعها سيكون الفناء.

ابتسمت المرأة من داركين بطريقة غامضة وأردفت:

- توازن؟ هه من قال إن العالم بحاجة لتوازن؟ أحيانًا، الفوضى وحدها هي التي تخلق النظام الجديد.

نظر الجميع إليها بارتياب، لكن قبل أن يتمكن أي منهم من الرد، انفتح الباب الحجري الضخم للمعبد بقوة، ودخل منه محاربٌ آخر، يلفه عباءة سوداء عليها رموز غريبة، عندما وقعت أعين ليارا عليه، شعرت بقشعريرة في جسدها، وكأنها تعرفه من قبل، رغم أنها متأكدة بأنها لم تره قط، توقف الرجل في منتصف القاعة، ونظر إليها مباشرة قبل أن يقول بصوتٍ خافت لكنه مُرعب:

- أخيرًا وجدتكِ، يا ابنة الحارسة.

ساد صمت ثقيل في القاعة، وكأن الزمن توقف للحظات، نظرات الجميع تحولت نحو الرجل الغامض، لكن ليارا وحدها شعرت بثقل كلماته كأنها ضربات مطرقة على روحها، ابنة الحارسة؟ لماذا ناداها هكذا؟ ومن يكون هذا الشخص؟

داريوس كان أول من تحرك، وسحب سيفه فورًا وقال بحذر:

- من أنت؟ وكيف عرفت هذا اللقب؟

الرجل لم يبدُ متفاجئًا، بل ظل هادئًا كما لو كان يتوقع هذا السؤال، خطا خطوة إلى الأمام وقال بصوت عميق:

- اسمي ليس مهمًا، لكن ما يهم هو أنني أتيت لإعطائكم تحذيرًا

نظر إلى ليارا مباشرة وأكمل:

- لا تثقي بأحد منهم.

اتسعت عيناها، وشعرت بقلبها يخفق بعنف، الجميع هنا يحاولون إقناعها بالانضمام إليهم، ولكن لماذا يحذرها هذا الرجل؟ زين كان يراقب بصمت، لكنه قرر التدخل أخيرًا وسأل بصوت متوجس:

- ولماذا يجب أن نصدقك؟

ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة، ثم رفع يده اليمنى، وانبعث منها ضوء أحمر قاتم، رسم في الهواء رمزًا سحريًا قديمًا بدا مألوفًا بشكل غريب، كان الرمز نفسه الذي رأته ليارا في أحلامها، شهقت بصوت مسموع، وشعرت أن شيئًا ما داخلها بدأ يتفاعل مع الطاقة المنبعثة من الرمز، ذاكرة مدفونة؟ نداءٌ قديم؟ لا تدري لكنها شعرت أنها كانت تعرف هذا الرجل من قبل، نظر إليها وقال بهدوء:

- لأنني الشخص الوحيد الذي يعرف الحقيقة عنكِ وعن والدتكِ.

بينما كانت القاعة تعج بالتوتر، كان هناك شيء آخر يحدث خارج المعبد في مملكة نيميريا، كان الملك يجلس في عرشه، يستمع إلى تقارير الجنود عن تحركات غريبة في الحدود، نظراته القاسية لم تكن تحمل أي ذرة رحمة.

- إن كانوا يظنون أننا سنقف متفرجين، فهم مخطئون.

في مملكة إلفيورا، كانت الملكة العجوز تراقب السماء المضطربة، قبل أن تلتفت إلى مستشارها وتقول ببطء:

- الوقت قد حان استعدوا لإرسال الفرسان.

وفي مملكة داركين، كانت النيران مشتعلة في برجٍ قديم، وظلال غامضة تتحرك داخله، استعدادًا لخطة لا يعلمها أحد.

***

في قلب المعبد، كان على ليارا أن تتخذ قرارًا، هل تثق بالممالك التي تطلب دعمها؟ أم تثق بالغريب الذي ظهر فجأة حاملاً إجابات عن ماضيها؟ كل خطوة قد تعني حياة أو موت، والممالك لا تنتظر طويلًا قبل أن تشتعل الحرب، نظرت إلى الجميع، ثم أخذت نفسًا عميقًا

وقفت ليارا وسط القاعة، يحيط بها قادة الممالك، وعيناها معلّقتان بذلك الرجل الغامض الذي ادّعى معرفته بأسرار ماضيها، لم تستطع كلماته أن تغادر عقلها، أنا الشخص الوحيد الذي يعرف الحقيقة عنكِ وعن والدتكِ، ضغطت على قبضة سيفها وهي تحاول أن تسيطر على مشاعرها، لكن صوت داريوس اخترق صمتها:

- إن كنت تملك معلومات، فقلها الآن وإلا فلا حاجة لنا بك.

نظر الرجل إليه بسخرية، ثم عاد بنظره إلى ليارا، وقال بهدوء:

- لديكِ خياران، يا ابنة الحارسة إما أن تثقي بهم، وتصبحي مجرد أداة في حربهم، أو تثقي بي، وأقودكِ إلى الحقيقة.

ترددت للحظة، لكن قبل أن تنطق، دوّى صوت انفجار ضخم خارج المعبد، جعل الأرض تهتز بعنف! اندفع الجميع نحو المدخل، وحين خرجوا، صُدموا بالمشهد أمامهم، سحابة من الدخان الأسود غطّت السماء، والنيران بدأت تلتهم الأشجار المحيطة وفوق التلال البعيدة، ظهرت رايات سوداء تحمل شعارًا لمملكة لم يكن لها وجود منذ مئات السنين.

- مستحيل.

تمتم أحد الفرسان بصوت مرتجف، اقترب زين، ونظر إلى ليارا بقلق:

- عليكِ أن تختاري الآن، هذه الحرب بدأت بالفعل!

لم يكن هناك وقت للتفكير، القوات المجهولة بدأت بالتحرك بسرعة، متجهة نحوهم، وكأنها تعرف مكان اجتماعهم مسبقًا، داريوس استلّ سيفه، ونظر إلى قادة الممالك الأخرى:

- علينا أن نتعاون وإلا انتهينا جميعًا!

لكن قادة الممالك لم يبدوا واثقين فالعداء بينهم أعمق من أن يُمحى بتهديد مشترك.

قبل أن ينطق أحدهم، تقدّم الرجل الغامض خطوة للأمام، ومدّ يده اليمنى، فجأة، انبثق من الأرض جدار طيفي عملاق، أحاط بالمعبد كدرع مضيء! التفتت ليارا إليه بدهشة، لكنها لم تستطع السؤال، لأن الهجوم بدأ! السحرة المهاجمون رفعوا أيديهم نحو السماء، وأطلقوا وابلًا من النيران السحرية باتجاه المعبد! لكن الجدار الطيفي امتص الضربة، مما منحهم القليل من الوقت للاستعداد، قال الرجل الغامض بصوت هادئ:

- هذا الدرع لن يصمد طويلًا إن لم نهرب الآن، فلن تكون هناك فرصة أخرى.

زين نظر إلى ليارا وسألها بحزم:

- أنتِ القائدة الآن، ماذا سنفعل؟

حاولت كبح توترها، ثم نظرت إلى الجميع وقالت بصوت ثابت:

- سنقاتل لكن بشروطي أنا.

                                       *** وسط ألسنة اللهب والمعركة التي بدأت، شعرت ليارا بطاقة غريبة تتدفق في جسدها كأنها نار مشتعلة داخلها لم تكن تعلم بوجودها، حين نظرت إلى يديها، رأت ضوءًا ذهبيًا خافتًا يحيط بهما، ورأت نفس الرموز القديمة التي رسمها الرجل الغامض سابقًا.

- ما هذا؟

تمتمت بدهشة، لكن قبل أن تفهم، سمعت صوتًا أنثويًا داخل عقلها، لم يكن صوتها بل كان صوتًا مألوفًا بطريقة غريبة:

- أخيرًا لقد حان وقتكِ، يا ابنتي.

شهقت، وتراجعت خطوة إلى الخلف، كان ذلك صوت والدتها.

***

الحرب بدأت، الممالك على حافة الانهيار، وأعداء الماضي عادوا للحياة، والآن، ليارا ليست مجرد أميرة ضائعة وسط صراعات القوى بل أصبحت المفتاح الذي قد يغيّر مصير العالم بأكمله، نظرت إلى القتال الدائر أمامها، ثم أخذت نفسًا عميقًا، وأمسكت بسيفها حان الوقت لاتخاذ قرارها.


تعليقات