أخر الاخبار

رواية أويكاثوس الفصل الأول بشري إياد

رواية أويكاثوس الفصل الأول بشري إياد

رواية أويكاثوس الفصل الأول بشري إياد

أويكاثوس الفصل الأول بشري إياد 

أويكاثوس

البارت الأول

كانت الطرقات الموحلة في قرية إلدارا تعجُّ بالحركة رغم حلول المساء، والمطر ينهمر كخيوط فضية تحت ضوء المشاعل المعلقة على جدران الأكواخ الحجرية، أصوات المطرقة تصدح من إحدى الورش المتواضعة، حيث وقفت ليارا منهمكة في طرق قطعة معدنية متوهجة، تتصبب جبينها عرقًا رغم برودة الطقس. 

توقفت قليلًا لتدفع خصلات شعرها البني القصير خلف أذنها، ثم مسحت يدها على جبينها المتسخ بالسخام، كانت تعلم أن عليها إنهاء العمل قبل أن يعود والدها من السوق، لكنها لم تكن تتوقع أن يقطع عملها ذلك الشعور الغريب الذي اجتاحها فجأة. 

لم يكن صوت المطر، ولا صرخات السوق البعيدة، بل همسٌ خافت كأنه يأتي من أعماق عقلها: 

- حان الوقت 

اتسعت عيناها الفضيّتان قليلًا، وتراجعت إلى الوراء وهي تشعر بقشعريرة غريبة تسري في جسدها، أمسكت رأسها بيدها، محاولة تجاهل ذلك الصوت الغريب، لكنها رأت شيئًا لم تره من قبل 

أمامها، وسط العتمة، تشكّلت صورة ضبابية، قلعة شامخة تحيط بها رياح عاتية، وصوت صراخ مكتوم، ثم وميض أزرق اخترق الظلام، ليظهر أمامها حجر أزرق لامع، يتوهج كأنه نابض بالحياة. 

- ابحثي عني قبل فوات الأوان                                         شهقت ليارا وسقطت المطرقة من يدها، فارتطم المعدن المصهور بالأرض مُصدرًا شرارات صغيرة، نظرت حولها، لكنها لم تجد شيئًا سوى الورشة ذاتها، وأصوات المطر التي استعادت إيقاعها الطبيعي. 

كانت الرؤى تزداد قوة ولم تعد مجرد أحلام عابرة كما ظنت دائمًا، لكنها لم تكن تدرك بعد أن تلك الرؤية لم تكن مجرد وهم، بل كانت النبوءة التي ستغير قدر الممالك السبع إلى الأبد. 

حاولت ليارا تهدئة أنفاسها وهي تتلفت حولها، لكن قلبها ظل يخفق بجنون، تلك الرؤية لم تكن عادية كان هناك شيء ما، شيء يتجاوز حدود المنطق. 

لكن قبل أن تحاول استيعاب ما حدث، دوت صرخة قوية خارج الورشة جعلت الدماء تتجمد في عروقها، ركضت إلى الخارج لتجد أهل القرية مجتمعين في الساحة الرئيسية، تتصاعد الهمسات والارتباك بينهم، شقت طريقها بين الحشود حتى رأت المشهد الذي أرعب الجميع . 

رجل كان ممددا على الأرض، جسده ينزف بغزارة وعيناه تحدقان في الفراغ، كان أحد التجار الذين يعرفهم الجميع، ولم يكن هناك أثر لمن هاجمه. 

- إنها لعنة الظلال

صاحت امرأة مسنة وهي تشد غطاء رأسها، بينما تحلق الأطفال حولها بخوف.                                                       ارتعشت ليارا لعنة الظلال؟ أكانت تلك مجرد أسطورة كما يظن البعض، أم أن هناك شيئًا خفيًا يتربص بهم؟لكن قبل أن تتمكن من التفكير أكثر، شق الحشد رجل ضخم البنية بملابس داكنة، وكانت نظراته تحمل مزيجًا من القلق والغضب. 

- ماذا حدث هنا ؟!

كان هذا ألتير، قائد حرس القرية، رجل صارم لا يرحم لكنه كان يحمي القرية بروحه، أجابه أحد الرجال بصوت مرتجف: 

- لقد وجد هكذا لم نر من هاجمه 

تقدم ألتير وانحنى بجوار الجثة، ثم تفحصها بعناية قبل أن ينهض موجها أنظاره الحادة إلى الجميع.

- الجروح عميقة، لكنها ليست من سيف أو خنجر 

توقف لحظة قبل أن يضيف بلهجة قاتمة:

- هذه أنياب.

ساد الصمت المطبق، ولم يجرؤ أحد على النطق، أما ليارا، فقد شعرت بقشعريرة باردة تجتاح جسدها، رؤيتها، والوميض الأزرق، والآن هذا الهجوم الغامض، هل يمكن أن يكون كل شيء مرتبطا؟ لم تكن تملك إجابة بعد، لكنها أدركت شيئا واحدًا هناك قوة مظلمة تتحرك في الخفاء، وقد تكون هذه الليلة مجرد بداية لعصر جديد من الفوضى.

استمرت الصدمة تخيم على وجوه أهل القرية، بينما وقف ألتير شامخًا وسطهم، نظراته تبحث عن إجابة وسط بحر القلق والخوف، لكن ليارا لم تكن بحاجة إلى مزيد من الدلائل، إحساس غريب كان يتملكها وكأنها تعرف، في أعماقها، أن هذه ليست مجرد حادثة عابرة. 

اقتربت ببطء من الجثة، ترددت للحظة، لكنها مدّت يدها المرتجفة ولمست بقعة الدم التي سالت على الأرض. 

- ليارا! ماذا تفعلين؟

جاء صوت ألتير حادًا، لكنه لم يردعها، في اللحظة التي لامست فيها الدم، تدفق مشهد إلى عقلها كطيفٍ مبهم، رجلٌ ملثم يقف في الظلام، أنيابه تلمع تحت ضوء القمر، وعيناه تشعان بلون أحمر متوهج لم يكن بشريًا. 

شهقت ليارا وسحبت يدها بسرعة، تتنفس بصعوبة، لم ترَ هذا الرجل من قبل، لكنها شعرت به وكأن روحه تلامسها من خلال تلك الرؤية. 

- ليارا؟ هل رأيتِ شيئًا؟ 

سألها ألتير، نبرته هذه المرة أقل حدة، بل تحمل مسحة من القلق، رفعت نظرها إليه، ثم إلى أهل القرية الذين كانوا يراقبونها بحذر، لم تكن تعلم إن كان عليها الحديث عما رأته، أم إبقائه سرًا، لكن قبل أن تقرر، دوى صوت آخر عبر الساحة، هذه المرة كان صوت أبواق الإنذار القادمة من برج المراقبة، هرع الجميع نحو مصدر الصوت، بينما صعد أحد الحراس على منصة عالية، صوته يرتجف وهو يصرخ: 

-  إنهم قادمون!

- من؟! 

صرخ ألتير، ابتلع الحارس ريقه قبل أن ينطق بالكلمة التي جعلت الجميع يتراجعون خطوتين إلى الوراء: 

- صيادو الظلال!

ساد الصمت القاتل للحظات، قبل أن ينفجر المكان بضجيج الهلع والخوف، أما ليارا، فقد كان عقلها يعمل بسرعة صيادو الظلال؟ أولئك الذين يقال إنهم يطاردون مخلوقات الليل، والذين لا يظهرون إلا عند اقتراب خطر عظيم؟ إذا كانوا هنا، فهذا يعني أن ما رأته لم يكن مجرد وهم بل كان حقيقة تهدد الجميع، لكن ما لم تفهمه بعد لماذا تشعر وكأنها جزء من هذا اللغز؟ 

تعليقات