ستعجبك

اسكريبت كامل بقلم عزة العمروسي

المجد للقصص والحكايات

 الاسكريبت واقعية ومش خيال

_ أنت جايبني من الطريق ده ليه..؟ 

الطريق الرئيسي مقفول. 

_ خلاص نزلني. 

حضرتك إحنا في مكان مقطوع أنزلك إزاي؟ 

_ أنت شكلك متعرفش أنا مين، والله العظيم ممكن أوديك في ستين داهية، ياتوصلني من الطريق الرئيسي ياتنزلني هنا لو فعلاً خايف على نفسك. 

_ بصلي بنظرة مفهمتهاش ملامحه كانت جذّابة بس لونها باهت وعيونه فاترة وتحتها هالات سودة بطريقة صعبة، كان لابس طاقية وتقريبًا حالق شعره زيرو، شكله يبدو مهيب برغم لبسه القديم وهيئته البسيطة، رغم إني جوايا شكوك ناحيته بس مخوفتش منه بالعكس حسيت بعِرق حنين بيخليني أحسن الظن فيه، قطع شرودي صوته وهو بيقول " أنا هوديكي من الطريق اللي إنتي عاوزاه لكن مش خوف منك وكمان أخلاقي متسمحليش أنزلك في مكان زي ده وخصوصًا إنك بنت "

_ لف ورجع للطريق وفعلاً لاقيت المواصلات واقفة والطريق مقفول، ناديت على ظابط كان واقف جنب عربية وقولتله " هو الطريق هيفتح إمتى " 

كمان خمس ساعات. 

_ خمس ساعات! 

_ والتدريب يروح عليا؟ 

_ حسيت بإحراج قدام السواق، فركت في ايدي بتوتر وبعدين قولتله " هو ممكن توديني من الطريق التاني يا "

_ هز راسه بهدوء ورجع للطريق الفرعي وقال " اسمي يُوسف " 

_ عاشت الأسامي، لسه هشكره على جدعنته لاقيت موبايلي بيرن مُعلن اسم " دكتور سمير " رديت عليه وحاولت اعتذر عن تأخيري قعد يزعق ويقول " حضرتك الجثّة هنا بقالها ساعة وعندك تدريب تشريح وقاعدة تقولي آسفة! وأنا هعمل بأسفك إيه وقفل السكة في وشي! " 

_ اتكسفت أقول للسواق يمشي بسرعة فمسكت موبايلي من التوتر وقعدت اقرأ شوية في المادة، لاقيت التوكتوك وقف فجأة .. ببص لاقيت خمس شباب ملثمين رموا خشبة كبيرة قدام التوكتوك وأتنين معاهم مطوة، صابني حالة ذعر وخوف انكمشت فوق كرسي التوكتوك، الولد اللي كان بيسوق نزل وقالهم " عاوزين إيه؟ "

_ تجاهلوه وقربوا مني وقالولي " إنزلي " 

_ جرىٰ ناحيتهم وقالهم " كلامكم معايا أنا .. عاوزين منها إيه "

_ حاولت أخرج موبايلي من شنطتي عشان أرن على أهلي واحد منهم شافني فرميت الموبايل بعيد فرجع ناحية يوسف بنفاذ صبر وقاله " ياتسيبهالنا ياتسيبنا ناخد روحك! "

_ خلاص سيبوها تمشي ونتفاهم. 

أنت هتصاحبنا ولا أي. 

_ طيب خلاص خدوا التوكتوك وسيبونا وامشوا. 

لا رجولة ياض. 

_ لو سمحتوا دي بنت وأنتو مترضوش كدا على اخواتكم. 

هه ماشي موافقين. 

_ جه ناحيتي بهدوء وقالي " انزلي يا آنسة "

_ جريت وقفت وراه، مش قادرة اتحكم في اعصابي، حاسة الزمن وقف وقلبي بيتعصر من الخوف، مش سامعة أي حاجة غير صوت انفاسي وضربات قلبي اللي قربت تكسر القفص الصدري، بيراودني افكار مُفزعة لكنّه بصلي بنظرة كلها عطف هدأت من ورعي وسكّنت اضطرابي، جلعتني اتمسك بالأمل وبيقين ناسكٍ متعبِد قعدت أردد الجملة دي " لُطفك ياخفِي اللطف ". 

_ بعد ما كان واقف هادي وهما بياخدوا التوكتوك إتغيّر فجأة وجرى ناحيتهم وكأن التوكتوك ده كل ما يملك، نزل واحد منهم ضربه مطوة في بطنه وركبوا التوكتوك وهربوا.

_ قعدت اصرخ، محدش سامعني، منظر الدم وتأوهاته بتخرم في جدار قلبي، جريت عليه وخلعته قميصه وربطت بيه الجرح، قعدت أدور على موبايلي زي المجنونة لاقيته مرمي تحت شجرة جريت مسكته ورنيت على الإسعاف، جات خدتنا كنت كل شوية أبصله أتحسس حالته بس تقريبًا كان في شبه إغماء، وصلنا لقسم الجراحة، طلبت من الدكتور يسيبني أخيطله، سيبته ونزلت اشتريتله أكل ولما طلعت لاقيته بدأ يفوق، خرجت موبايلي ورنيت على بابا وحكيتله اللي حصل وقولتله يجيلي على المستشفى، التفت ناحيته وقولتله " حمد لله على سلامتك "

_ الله يسلمك.

مالك متوتر كدا ليه. 

_ عاوز أكلم أمي. 

حافظ رقمها طيب؟ 

_ لا. 

طيب ممكن تاكل وبعدين هوصلك لحد باب بيتكم. 

_ ابتسم بضعف وبدأ ياكل، بصيتله وبدون تفكير قولتله " تتجوزني ..؟ "

_ عينه لمعت وملامحه بدأت تزهر وتنوّر وبعدها بلحظات ملامحه خدت وضع العبوس والتردد واللمعة إتحولت لشبه إنطفاء وبدون إدراك قولتله " مالك؟ "

أنا عارف إنك خلوقة وجميلة وغنيّة وألف شاب يتمناكي بس أنا لا. 

_ إنتفضت من إجابته، كلامه صعقني، أنا أصلاً معرفش إزاي حيائي سمحلي أقوله كدا، بصيتله بسخط وقولتله " أنت مفكر نفسك مين، أنت مجرد سواق توكتوك، أنا الدكتورة شِفا أحمد عيسى وو "

_ لسه هكمل كلام لاقيت بابا وعمي في وشي، جريت ناحيتهم وقولت لبابا " ده الشاب اللي انقذني ياريت تديله تعويضه وتشوفه عاوز كام في حق التوكتوك وبعدين لفيت ضهري وبصيتله بنفور ومشيت، نزلت استنيت بابا في العربية تحت "

_ مشيت وأنا بكلم نفسي وبقولها " عادي هتتخطيه زيّه زي أي حاجة اتخطيتها، أنا اتخطيت فشلي لوحدي وصنعت نجاح كله بيتكلم عنه وبرغم الرفاهية اللي طول عمري عايشة فيها بس التزمت، محدش من أهلي كان بيوديني كُتّاب احفظ قرآن، كانوا شايفين إن كل اللي الطفل عاوزه الألعاب والفلوس والرفاهيّة وعادةً المسئوليات بتنسي الأهل يعلموا ولادهم دينهم، لما كبرت روحت دار تحفيظ لوحدي، مش معقولة بعد كل ده يجي شوية إعجاب بشخص يزعزع عزيمتي ناحية واجباتي ودراستي وحفظي للقرآن ".

_ شوية وبابا نزل لوحده فسألته "  فين عمي "

راح يوصل يوسف. 

_ طلب كام منك؟ 

مطلبش حاجة واديته فلوس سابها ومشى. 

_ يابابا إزاي تسيبه من غير ما تديه حقّه. 

أنا اتحايلت عليه كتير يا شِفا بس هو رد وقالي " اللي حصل ده حادثة عادية وإنك ملكيش ذنب فيها ومينفعش ياخد فلوس مش بتاعته "

_ بس يابابا.. 

خلاص يا شِفا هو حر.

_ وصلنا البيت، كل ما بطلع درجة من السلم نفسي بيضيق أكتر حاسة إن فيه موقد نار والع جوا قلبي، استحميت عشان أفوق وبعدين خدت مصحفي وروحت الدار، مش بلاقي راحتى غير في المكان ده، المُحفظة اسماء تعتبر أكتر حد بيريحني وبيحس بيا، مكان كله هدوء ووجودها فيه مزوّد بهجة المكان، أول ما دخلت جو وهدوء المكان زرع جوايا طمأنينة وسكينة وكأن قلبي إتخلق حالاً ولم يصيبه أي شوائب .. قعدنا أنا والبنات حواليها عشان نسمع القصة الجديدة اللي متعودين نسمعها منها كل مرة قبل التسميع. 

_ بصتلي بعلامة إستفهام وكانّها بتقولي " ملامحك كئيبة ليه؟ "

_ تجاهلت نظراتها وتصنّعت ابتسامة خفيفة فبدأت هي كلامها وقالت النهاردة يابنات حاجة مُختلفة، قصة بتعلمّنا دروس كتير زي " الصبر، التجاهل عن الكلام المؤذي، نتحكم في اعصابنا لما حد يكلمنا بطريقة وحشة ونحاول نردله السيئة بالحسنة "

هنرجع بالزمن لأيام الرسول، في وقت من الأوقات قُريش لما لقت مسيرة النبي _ صلى الله عليه وسلم_ ودعوته بتنتشر حاولوا أذيته بكل الطرق، شتموه بأقذع الألفاظ، وضعوا على جسده الشريف القاذورات، استخدموا مع الصحابة جميع أساليب العذاب حتى يردوهم عن دينهم ولكن محاولتهم كلها فشلت فقعدوا يفكروا ويستشيروا بعض ويحاولوا يوصلوا لحل يقيد النبي ويكتموا دعوته فقالوا " بس إحنا هنجيب أعلم الناس بالسحر والكهانة والشعر ويروح لمحمد اللي فرّق جماعتنا وشتت شملنا وعابَ ديننا ويشتمه وهنشوف محمد هيرد عليه يقوله إيه!  "

فقالوا " ما نعلم أحدًا غير عتبة ابن ربيعة "..

وبالفعل ذهب عتبة للنبي _ صلى الله عليه وسلم _ فوجده جالس في سكينة وهدوء فقاله " يامحمد! أنت خير أم عبدالله !؟ "

فسكت النبي _ صلى الله عليه وسلم _ تأدبًا لأبيه.

فرد عتبة وقاله " أنت خير أم عبدالمطلب؟ " 

فسكت النبي إحترامًا لجده.

فرد عتبة وقال " إن كنت تزعم أن أبيك وجدك خيرًا منك فقد عبدوا الآلهة التي عِبْتها .. فإن كنت تزعم أنك خيرًا منهم فتحدث حتى نسمع قولك "

وقبل أن يتحدث النبي ثار عتبة بغضب وقال " إنا والله ما رأينا سخلة قط أشأم على قومه منك ".. 

يعني: إحنا مشوفناش حاجة مشئومة على قومنا أكتر منك!

فقد فرقت شملنا، وشتت أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب، حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحرًا وكاهنًا.. والله  ما ننتظر إلّا مثل صيحة الحبلى أن يقوم بعضنا على بعض بالسيوف حتى نتفانىٰ.

كان عتبة متغيرًا غضبانًا والنبي يستمع له بكل أدب ولطف. 

بدأ عتبة يقدم اغراءات للنبي ليتخلى عن الدعوة. 

فقال: أيها الرجل  إن كنت جئت بالذي جئت به لأجل المال .. جمعنا لك حتى تكون أغنى رجلاً، وإنت كنت جئت به لأجل الرئاسة عقدنا ألويتنا لك فكنت رأسًا ما بقيت. 

وإنت كنت ترغب في النساء فأختر أيّ نساء قريش شئت فلنزوجك عشرًا ..

وإن كان الذي يأتيك رئيًا من الجن تراه .. لا تستطيع رده على نفسك .. طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يتداوى منه. 

وفضل عتبة يكلم النبي _ صلى الله عليه وسلم _ بالأسلوب السئ ده والنبي ينصت له بكل هدوء ورزانة. 

وحين سكت عتبة لينتظر الجواب رفع الحبيب نظره وقال " أفرغت يا أبا الوليد "

يعني:  خلصت كلامك؟ 

لم يستغرب عتبة هذا الأدب من الصادق الأمين وقال بإختصار: نعم فرغت.

فقال النبي: اسمع مني..

فرد عتبة:  أفعل.

فقال النبي:  بسم الله الرحمن الرحيم " حم * تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ..).. 

ومضى النبي يتلو الآيات وعتبة يستمع وفجأة جلس عتبة على الأرض ثم أهتز جسده، فألقى يديه خلف ظهره ثم اتكأ عليها، وهو يستمع .. ويستمع .. والنبي يتلو .. ويتلو. 

حتى بلغ قوله تعالى " فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ " 

فأنتفض عتبة لمّا سمع تهديد الله بالعذاب ثمّ قفز ووضع يديه على فم الرسول ليوقف القراءة.

واستمر النبي في التلاوة حتى وصل لآية بها سجدة التلاوة فسجد ثم رفع رأسه من سجوده ونظر لعتبة وقال " سمعت يا أبا الوليد ؟ "

فقال للنبي " نعم "

فرد النبي " فأنت وذاك " 

فرجع لقومه وهما متشوقين يشوفوه وأول ما شافوه قال بعضهم لبعض " نقسم بالله أنه جاء بغير الوجه الذي ذهب به "

فقالوا له: ما ورائك يا أبا الوليد؟

قال: ورائي أني والله سمعت قولاً ما سمعت يمثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالكهانة ولا بالسحر.

يامعشر قريش أطيعوني وأجعلوها بي، خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فوالله ليكونن من قوله الذي سمعت به نبأ عظيم.

وبدأ يتلوا الآيات على قومه ثم قال والله إني مسكت بفمه حتى يسكت وخفت عليكم من العذاب.

فسكت قليلاً ثم قال: والله إنّ لقوله لحلاوة .. وإنّ عليه لطلاوة .. وإنّ أعلاه لمثمر .. وإن أسفله لمغدق .. وإنه ليعلو وما يُعلى عليه .. وأنه ليحطم ما تحته .. وما يقول هذا بشر .. وما يقول هذا بشر.

رغم إن عتبة لم يدخل الإسلام ولكن لانَ قلبه حين سمع القرآن، لو كان النبي متحكمش في اعصابه ورد السيئة بالسيئة مكنش عتبة قال كدا وكانت اتقلبت الموازين وكان سب النبي وقال عليه " ساحر ومجنون وشاعر زي ما قال قومه "

إحنا مش محتاجين تأهيل نفسي وتربوي إحنا محتاجين ندرس سنّة النبي وهي هتربينا ♡

للحظة نقف مع نفسنا شوية هنا " عتبة لما سمع القرآن تلوى كالثعبان الذي يحتضر من الخوف رغم إنه كافر وده لإنه عرف معنى الآيات وفهمها، وإحنا كمسلمين ممكن نسمع ويل للمصلين ونرتاح لصوت الشيخ ولا يهتز فينا شئ وإحنا أول المقصرين في صلاتنا وده لإننا حافظين فقط لكن مش فاهمين "

_ المحفظة خلصت الدرس والبنات سمّعت قبلي ولما جه دوري بصتلي وقالت " مالك "

_ مفيش حاجة.. 

على المحفظة برضو ياشِفا؟ 

_ بصي أنا غلطت، أعجبت بشاب، أكيد لو كنت غضيت بصري مكنش ربنا زرع الإعجاب ده جوايا، أنا خايفة ربنا يعاقبني في قلبي، بس والله أنا قلبي مال ناحيته عشان شهامته واخلاقه مش عشان ملامحه خالص. 

_ بصتلي بحنان ولُطف وطبطبت على إيدي وقالت:

" بصي يا شِفا المرض ومطهر الحزن ونفحة الربيع، الشيطان ياحبيبتي قبل الذنب ليه وظيفتين وبعد الذنب ليه وظيفتين؛ قبل الذنب يصغر الذنب في عينك ويكبرلك رحمة ربنا وبعد الذنب يكبرلك الذنب ويصغرلك رحمة ربنا عشان نيأس ونشوف نفسنا وحشين ونبطل ندعي وساعتها بنكمل على الغلط بغلط أكبر منه ".

إستغفري يا شِفا، رددي دايمًا دعاء يُونس حتى يخرجك الله من ظلمات نفسك ♡

_ خرجت من الدار مغسولة من كل الغبار اللي كان كاتم على قلبي، لبست تاني يوم وروحت المستشفى عشان اعتذر للدكتور واحكيله اللي حصل، ماشية بستغفر وبردد كام دعاء بحب أقولهم، وأنا في طريقي لغرفة الدكتور عيني وقعت على أوضة الإستراحة وشوفت يوسف حاضن محمد وبيعيط بهستريا، محمد ده ممرض شغال في المستشفى اللي بتدرب فيها، رجعت خطوتين ووقفت جنب الباب بس لاقيتهم خلصوا كلام استخبيت لحد ما يوسف مشى ودخلت لمحمد وطلبت منه يحكيلي اللي حصل،  رد وقالي " إنتي تعرفيه؟ "

_ حكيتله اللي حصل بالحرف، رد وقالي " هو قالي التوكتوك اتسرق منه بس مقالش إزاي "

_ طيب إيه جاب يوسف هنا؟ 

يوسف عنده كانسر مرحلة تالتة يا شِفا وكان جايب التوكتوك ده عشان يصرف على علاجه وعشان يكفي مصاريف أمه وأخواته البنات، أبوه ميّت وهو راجل البيت، معاش مامته مش مكفي مصاريف اخواته حتى والتوكتوك كان مصدر رزقه الوحيد. 

_ يعني التوكتوك كان مصدر رزقه ومع ذلك رفض ياخد من بابا فلوس، ضحى بنفسه وعرّض حياته للخطر عشان يحافظ على شرفي ويحمي حياتي؛ ورفض الزواج مني عشان ميحكمش عليا أتجوز حد مريض وأنا رديتله كل ده بإهانة؟

يوسف طيّب وابن أصول وميقبلش العوض يا شِفا، مظنش لسه فيه زيّه في الزمن ده. 

_ طيب بقولك إيه! 

قولي 

_ أنا هديك مبلغ كويس وأنت ترن عليه تقوله إن فيه تبرعات جات للمستشفى وإن مصاريف علاجه وأهله كلها متوفرة وأهو كدا كدا ده حقه اللي رفض ياخده.

فكرة جميلة، هرن عليه وأقوله، متأكد إنه هيفرح جدًا.

_ طيب ممكن أطلب منك طلب؟

تحت أمرك

_ أنا عاوزة أنا اللي اعمله جلسات الكيماوي مكانك وهقوله إنك مسكت قسم تاني، متأكدة وجودي هيفرق معاه، وأوعدك مش هعرفه حاجة وهعمل نفسي متفاجأة واسيبه يحكيلي.

خلاص إتفقنا ♡

_ مكنتش عارفة أردله جمايله إزاي كنت حاسة بالعجز والضعف ناحيته، حاسة إني مقيدة ومش عارفة اخفف عنّه، كل اللي عملته إني روحت لربنا بكل ما فيا من تعب عشان يستجابلي وخصصت ليوسف ركعتين كل يوم قبل الفجر بدعيله وأعيط واترجىٰ ربنا عشان يشفيه ويخفف عنه. 

_ روحت المستشفى تاني يوم وأنا كُلي تفاؤل وإنتظار، إتوضيت وصليت ركعتين قبل ما أنزل شحنت بيهم بطاريتي بجرعة طاقة إيجابية، دخلت الأوضة لاقيته قاعد على السرير مستني الجلسة، أول ما شافني انتفض وقالي " إنتي؟ " 

_ عملت نفسي متفاجأة وقولتله " بتعمل إيه هنا؟ "

فين محمد! 

_ محمد استلم قسم تاني. 

_ هز كتفه بحزن وقال " أكيد إنتي جاية الأوضة وعارفة إنّك هتدي المريض كيمياوي ومد إيده بإستسلام عشان ابدأ بالعلاج " 

_ مكنتش عارفة أقول إيه من التوتر فقولتله بطريقة تلقائية " يوسف أنا آسفة ". 

على إيه يا دكتورة شِفا

_ إسمي شِفا وبس يايوسف.

_ على كل لحظة ظلمتك فيها أو مفهمتش جدعنتك صح.

عادي يا شِفا إتعودت. 

_ لو حابب تحكيلي هسمعك.

_ ابتسم بحزن مرير وقال " أنا عمري ما عرفت أختار حاجة يادكتورة، كل حاجة كانت بتتفرض عليا، الفقر والإحتياج خلاني أعيش ذليل لأعمامي وللقريب قبل الغريب، طلعت الأول في تالتة إعدادي ولما جيت أقدم ثانوي أبويا مات وضهري اتكسر، عمامي سحبوا الورق وقالولي اتعلم أي صنعة تصرف بيها على أمك وإخواتك، أمي عملتلي قرض وجابتلي التوكتوك وراحت قدمتلي ثانوي صناعي، قولت هثبت فيه نفسي وبالفعل مختلطش بالولاد اللي فيه، كانوا عبارة عن كتلة فحش ماشية على الأرض، سب دين وبنات وسجاير، تعرفي أحيانًا كانوا بيقولوا عليا زي البنت عشان كنت في حالي ومكنتش بعرف اخد حقي وبسكت عشان مليش سند ومش حابب أعمل لأمي مشاكل، وطلعت الأول برضو بس مكنش معايا مصاريف معهد المساحة، قولت هكمل على التوكتوك، وربنا رايد الخير، أنا مش ملتزم زي حضرتك بس بصلي وعمري ما مسكت سيجارة، ومش معترض على مرضي وتعبي بس مش عاوز أموت عشان أمي واخواتي مش عشان كاره لقاء ربنا " 

_ عيني دمعت ما غير ما أحس، قلبت الموضوع هزار ومسكت ايده وركبت له المحلول وقولتله " أنت انقذت حياتي مرة تسمحلي أكون سبب من أسباب شفائك، عارف كل المرضى لما بيسمعوا اسمي بيتفائلوا بيه وصدقني هثبتلك إني قدها ومتأكدة إنه هيشفيك " 

وجبتي الثقة دي منين؟

_ بص يايوسف زمان كان في أحد الأغنياء كثير العبادة، فطالَ عليه الأمدُ فعصى ربَّه

فما زالتْ نعمته، ولا تغيَّر حاله " بعد عصيانه فضل غني "

فقال: يا رب، تبدَّلتْ طاعتي وما تغيَّرتْ نعمتُكَ

فهتفَ به هاتفٌ في المنام : يا هذا

" لأيامِ الوصال عندنا حُرمة، حفظناها نحن وضيَّعتها أنتَ! "

_ تخيّل ده شخص عصى ربنا وربنا فضل كارمه ورازقه ولم يسلب منه نعمته عشان ربنا كريم، يحفظُ العهدَ إذا العبد غدرَ، ويصون الوداد إذا العبد ابتعدَ، ولا يُبادرُ الهُجران بالهجران.

" فما بالك لو أنت لسه محافظ على الوصل بينك وبينه، أتظنه يخذلك؟ "

_ الطالب اللي سقط أو فشل مرة لو عرف ربنا شايله إيه في المستقبل كان اجتهد بعد فشله أضعاف.

_ المريض لو عرف إن ربنا اختصه بالمرض عشان يطهره ويكشفله معادن الناس ويبعتله حد يشيله في مرضه كان شكر ربنا في الضّراء قبل السّراء.

_ البنت اللي تأخر زواجها لو تعلم إن في التأخيرة والصبر راجل هيصونها وعوض هينسيها تعبها كانت سجدت لربنا كل ليلة عشان تشكره على التأخير.

_ الفقير لو يعرف إن رزقه حلال ومع الوقت ربنا هيباركله فيه كان شاف الفقر ميزة.

_ الحب اللي بيضيع مننا لو نعرف إن ربنا هيجيبلنا مكانه شريك حياة ابن اصول وغلاف حب جديد مكتوب عليه " رحمة وسكينة " كنّا حافظنا على مشاعرنا للي يستاهلها.

" إطمن وقول الحمد لله فَ بها تنفتح أبواب الرحمات "

_ مكنتش عارف أرد عليها أقولها إيه، قاعد بسمع وجوارحي كلها تحت سيطرتها بتتحكم في شعوري بالكلام.

" لكل زرعَة مُوسم تزدهرُ فيه وقلبَها كان موسمي الأوحد "

_ خلصت الجلسة وحاولت أطمنه شوية وبعدين روحت قولت لبابا إني عاوزاه رد عليا بما لا تشتهي نفسي وعنّفني بشدة وخصوصًا إن عيلتنا كلها رُتب ومقامات وإزاي دكتورة بنت قاضي قُضاه تتجوز سواق توكتوك! 

_ الدنيا ضاقت بيا الأيام كانت بتعدي ثقيلة على قلبي، وكأنه حاجة ثمينة ونادرة وخايفة تضيع مني، معدن نضيف لم يتلوث بدناسة العالم، جالي تليفون غيّر حياتي وغيّر حالتي في لحظة، كنت عملتله تحليل من وراه من يومين والدكتور قالي المريض صحى خلاص ومش محتاج يجي المستشفىٰ تاني، جريت سألت عمي على عنوان بيته وروحتله، اتعرفت على مامته واخواته رحبوا بيّا وكان ناقص يفرشولي الأرض ورد، قعدت معاهم شوية وبعدين قولتلهم " بصراحة أنا جاية وجايبة خبرين أحسن من بعض، الخبر الأول إن يوسف مش هياخد علاج تاني؛ والخبر التاني إنّي قدمتله في معهد مساحة وإتقبل.

_ مامته سجدت بإنهيار وجرت ناحيتي حضنتني، لكن يوسف بصلي بزعل وقالي " أنا مش هروح المعهد ومقبلش تدفعيلي جنيه من جيبك " 

_ اعتبره قرض وصدقني هاخد منك الفلوس أول ما تقدر ترجعها، أنا همشي بقى عشان ألحق التمسيع "

_ عيونه كانت بتبصلي برجاء وكأنّها بتقولي " خليكي شوية " لكني مشيت.

_ كان بيدرس في المعهد وبيذاكر كويس جدًا، مبقاش يصغب من أي حاجة تضايقه، ملامحه بدأت تنوّر، كان بيجيلي عرسان ولاد صحاب بابا بس كنت برفضهم، خلص دراسته ويشاء ربنا ويتوظف بعد تخرجه على طول، عمل قرض تاني وحط فلوسة في مقدمة شقة في إسكندرية، جالي المستشفىٰ يوم خميس وقالي " جاي أطلب منك طلب طلبتيه مني زمان ومقدرش أقدمهولك وطمعان في كرم ربنا ليا إنك مش هتخذليني "

_ إيه هو؟

تتجوزيني يا شِفا؟

_ قلبي إتخلع من الكلمة، الجو بقى حر، كسوف غير طبيعي، طلبتها من قبل كدا بس حاسة وكأني بسمعها لأول مرة، جه محمد من ورانا وقال " وأنا هاجي معاك وأنت بتتقدم ياسيدي .. ♡

" دعِينا نهرب من العالم لأنتشي رحيقك وأنثره في مدينة العاشقين " 

_ إتقدم وإترفض، صليت استخارة وحسيت براحة إستحوذت روحي بطريقة روحانيّة، حبه تمم على قلبي الهدوء، شعور جميل شجعني وخلاني وقفت ضد بابا لحد ما وافق.

كنت دايمًا بدعي وبقول " اللهم لا عطلة اللهم لا تأجيل اللهم لا حواجز "

" إتجوزنا، كنت عارفة كويس إنّه مش ملتزم لكني استعنت بالله، وقولت لنفسي هتقدري تبني بيت مسلم " إنتي قدها " بدل ما تربي ولادك على طاعة ربنا هيبقى زوجك وولادك ، خلفت ولد وسميته على اسم " باباه " كنت مفكرة الجواز هيبقى عائق والمسئوليات هتشغلني لكن يوسف كان حابب نجاحي اكتر من نجاحه، بيشجعني أكون قدام دايمًا وقدوّة للناس، كنا بنحفظ كل يوم نص صفحة من القرآن، أحيانًا كان بيفتح التليفزيون على أفلام لكني كنت بفهمه واحدة واحدة، وفي مرة خدت الريموت منه بهدوء وطبطبت على إيده وقولتله بضحكة طفوليّة " الطفل ياحبيبي طِينة ليّنة تقدر تشكلها زي ما تحب وعادةً بياخد الأب والأم قُدوته الأولىٰ فمثلاً لو صغيرك شافك بتسمع مسلسل وجه قدامه مشهد وحش تلقائي هتلاقي جوارحه وتفكيره هيتجهوا للحاجات دي بكل تهاون، وطبيعي في يوم تلاقيه مشغل الحاجات دي قدامك عادي بدون أي حرج أو كسوف منك وساعتها متقدرش تتكلم ولا حتى تنصحه لأنك شجعته على الذنوب بطريقة غير مباشرة وهو مجرد ضحية رأى قدوته تتهاوى أمامه فأجاب لشيطانيتُه " 

_ لاقيته قام بكل حب وحضني وبعدين طلّع سلسلة دهب مكتوب عليها " شِفا " ولبسهالي! 

_ إيه  ده يايوسف أنت مش قولت هتحوش وتجيب لمامتك شقة جنبنا هنا؟ 

كان لازم أردلك جمايلك الأول يا شِفا ♡

_ ايوه بس مامتك أهم و.. 

ثواني الموبايل بيرن. 

_ فجأة تهلّلت ملامحه من الفرح وقعد يقول الله أكبر ♡

_ في إيه  يايوسف فهمني؟ 

جالنا عمرة هدية وهناخد ماما معانا..

بحبك ياوش الخير، لولاكي مكنتش وصلت لكل ده، إنتي اللي نورتيني وخلتيني أعيش من بعد موت .

_ لفيت إيدي حواليه ومسكت في ضهره بسعادة وقولت " وأنا بموت فيك "..♡

" قابلتك صُدفة وحُبك ليّا كان فرصة وبين الصُدفة والفرصة إتخلقلي قلب جديد، قلب بينبض إيمان حب طاعة سعادة أمل  " قلب عايش ".. 💙

مش عاوزة أصدمكم وأقولكم إن فكرة الاسكريبت واقعية ومش خيال 😅💙

#عزة_العمروسي

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -