القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية وقعت في حبه مجددآ الفصل الثامن



 المجد للقصص والحكايات رواية وقعت في حبه مجددآ الفصل الثامن

دخلت روز إلى الشقة، فهرول إليها آدم. أمسك معصمها ثم سحبها وهو يعود بنفس الخطوات المسرعة إلى المطبخ برفقتها.
- تأخرتِي. تأخرتي! كثيراً!

حاولت الانسجام مع السرعة التي يسير بها وتلحق به.
- ماذا هناك؟

أشار لها بالجلوس، فجلست.
- إمنحيني لحظة واحدة.

عاد إلى منضدة المطبخ، إلتقط مقلاة القلي و قدّم ما فيها من قطع دجاج و خضار في طبق أبيض، ثم عاد بالطبق إلى حيث تجلس روز، و قدّمه لها.
- إمنحيني ثانية إضافية.

أسرع نحو الموقد، أطفأ النار المشتعلة تحت وعاء الطبخ الذي أعدّ به الصلصة. ثم و بحذر، عاد به إلى حيث تجلس روز، سكب الصلصة على قطع الدجاج و الخضار المبعثرة بجانبها بشكل مميز، ثم قال،
- تفضلي.

قرّب الطبق إليها، ثم ناولها شوكة و سكينا.
- شهية طيبة.

جلست تدرس الطبق بعينيها في إعجاب، ثم كررت كلماته بنبرة شبه منبهرة.
- شهية طيبة!

وقف يراقب ملامحها بنفوذ صبر، وهي تضع أول لقمة في فمها.
- ما رأيك؟

هزّت رأسها إيجابا مرارا وهي تمضغ.
- أحببته!

إتسعت إبتسامته.
- حقا؟

أومأت وهي تضع لقمتها الثانية في فمها، ثم شرعت تسأل، تشرح و تصف.
- ما الذي وضعته في الصلصة؟ و.. بماذا طهوت الدجاج؟ أستطيع أن أتذوق ملوحة معتدلة، حموضة خفيفة. كما أن الطبق حار بشكل يناسب الجميع! لا أحب الأطباق الحارة لكن.. هذا الطبق! عجيب!

إحتضنها بقوة دون سابق إنذار، فانفجرت شفتاها عن ضحكة لطيفة.
- أخيرا! نجحت في إعداد الطبق الذي تخيلته في رأسي!

تأمل ملامحه المتحمسة لمدة.
- سيتحقق حلمك عما قريب، وهذا الطبق، دليل قاطع على موهبتك.

إبتسم لها فبادلته بنفسها، ثم عادت لتناول ما تبقى من الطبق. قالت وهي تأكل.
- بالمناسبة، شكرا على العشاء.
- على الرحب. أعددت تحلية كذلك.
- تحلية!

أومأ، ثم أسرع إلى الفرن و أخرج وعاءً زجاجيا صغيرا بداخله ما يشبه كعكة شكولاته. قدّمه لروز، ثم أضاف صلصة شكولاته بيضاء من فوقها.
- "سُوفْلِي" على طريقتي الخاصة.

وضعت الشوكة و السكين بجانب صحنها، ثم قربت طبق التحلية إليها.
- يبدوا لذيذ. هل لي بملعقة؟

عاد إليها بملعقة صغيرة.
- تفضّلي.

تذوقت ملعقة ممتلئة من الحلوى، و كانت ردّة فعلها ثمينة للغاية. أطبقت ذفنيها وهي تتحسس مذاق الشكولاته.
- ممم~ أنتَ الأفضل!
- شكرا لك.
- الشكر لك! لم أحظى بوجبة لذيذة كهذه منذ زمن.
- إستمتعي بها إذا.

ثم أضاف.
- سأذهب لأستحم و لأرتاح أخيرا.

أومأت له فاستأذن منها، ثم أضاف متمنيا.
- شهية طيبة.

***

خرج من الحمام فوجد المطبخ نظيفا، و روز جالسة على الأريكة، تحمل كيس بطاطس مقلية و تشاهد فيلما على التلفاز. إبتسم وهو يراقبها لمدة، ثم أكمل طريقه إلى الغرفة و هو يمسح شعره بمنشفته. إنتبهت له روز وهو يدخل الغرفة عاري الصدر، لا يرتدي سوى سروال قصير، لخرج منها مرتديا قميصا بدون أكمام واسع و مريح. إلتحق بها و تربّع بجانبها، وهو يحاول فكّ الضماد حول يده. لاحظت محاولاته الفاشلة، فوضعت الكيس على الطاولة القصيرة أمامها، و إقتربت منه.
- مهلا. دعني أساعدك.

مدّت كلتا يديها إلى يده، فرفعها إليها ليساعدها. جلس يراقب أصابعها التي تحاول فكّ الضماد لثوان، ثم رفع بصره إلى ملامحها الجادّة، عينيها المنتبهتين، و أسنانها التي تضم شفتها السفلى في صمت.
خلعت الضماد عن يده أخيرا.
- ها هو ذا.

تبسم لها دون أن يبعد عينيه عنها.
- شكرا لك.

إكتفت بايماءة صغيرةو إبتسامة مرتبكة، ثم إبتعدت عنه و عادت إلى مكانها، و إلتقطت كيس البطاطس من على المائدة. نظف آدم حلقه في هدوء.
- كيف حال التدريبات؟
- بخير. كل شيء جيد حتى الآن.

سكت للحظة، ثم سأل بعد تردد.
- خائفة؟
- قليلا. لم يبقى سوى بضع أسابيع على تجربة الآداء النهائية، و لا أريد أن تضيع الفرصة بين يدي.
- لماذا تفكرين هكذا؟ تعلمين أنك موهوبة، فلما القلق؟
- ربما.. أنا موهوبة لكن.. هناك أخرون موهوبون مثلي، بل أفضل مني!
- ربما. لكن لكل منكم أسلوب مميز. و أسلوبك يميزك عن غيرك. كل ما عليك هو العمل على أسلوبك و تطويره.

أومأت، و القلق يرافق التعبير الشارد وجهها. أرخى آدم عينيه إلى يده المصابة، ثم تفقدها بأصابع يده السليمة.
- تعلمين..

ألقى نظرة سريعةعليها، ثم أتمم قائلا.
- و أنا أتعلم الطبخ، إكتشفت أنه على الطاهي أن يتخيل طبقه، أن يراه بعقله، أن يتذوقه في عقله، إذا أراد أن يُخرج طبقه إلى الوجود. عندها، تعلمت أن كل شيء من حولنا قد صُنع بنفس الطريقة. تماما مثل الفستان الذي يراه مصمم الأزياء في عقله، ثم يرسمه على ورق بيده، ثم أخيرا يصنع الفستان ليصبح حقيقة ملموسة. و كذا مخترعوا و مصممي السيارات، مهندسوا المنازل، و غيرهم. عندما ترى الصوره بعقلك أولا، تتمكّن من إخراجها إلى هذه الحياة. للعقل قوة خارقة! فعندما يرى فكرة معينه، يسعى إلى إنجابها و منحها الحياة. و أجسادنا هي الوسيلة التي تستخدمها عقولنا، بالطبع.

إبتسم ثم رفع نظره عن يده المصابة، و إلتفت إليها.
- هكذا هو التمثيل أيضا، أ ليس كذلك؟ ترى شخصية معينة بعقلك، تشعر بها، تحاول فهمها، ثم تستخدم جسدك لتجعلها حيّة أمام ملايين الناس.

إبتسمت لكلامه ثم أومأت، فأكمل وهو يتأمل عينيها الثلجيتين.
- هكذا نحن كذلك. إذا أردنا أن نجعل النجاح حقيقة، و السعادة حقيقة، كل ما علينا هو رؤية الصورة و صنعها بعقولنا أولا. علينا أن نرى نجاحنا، سعادتنا، و الحياة التي نتمنى الحصول عليها. عندها فقط، ستُرشدُ عُقولُنا أَجسادَنا إلى الطريق المناسب لإحياء تلك الحقيقة التي نرغب بها.

هزّت رأسها موافقة.
- الحمد و الشكر للعظيم الذي صمم هذه العقول.

أضاف على كلامها و شفتاه لاتزالان تحتفظان بإبتسامة هادئة.
- و الأجساد أيضا.

إستنشق نفسا، ثم أنزل بصره إلى يده المصابة مجددا.
- من دونها، ما كان قد ظهر في الوجودِ شيء.

سكت كلاهما بعد ما دار بينهما من حوار، ثم جلسا يشاهدان الفيلم معا. مدّت روز كيس البطاطس لآدم فتناول بعضا منها، ثم أحضرت قنينتي مشروب غازي من الثلاجة، واحدة لها و الأخرى له.

مرّت ساعة تقريبا، عندما إنتهى الفيلم. أطفأت روز التلفاز، ثم قامت من مكانها و نظفت المائدة، فساعدها آدم على ذلك. دخلت المطبخ لترمي النفايات، فلحق بها بعد أن مسح المائدة، ليغسل الممسحة، ثم يديه.

شربت  روز كأسا من الماء ثم سألته ما إذا كان يرغب في الشرب كذلك. إبتسم ثم هزّ رأسه نفيا.
- شكرا لك.

بادلته بضحكة صغيرة و هي تغلق القنينة.
- حان وقت النوم.

أومأ لها، فأضافت قائلة،
- تصبح على خير.

عادت إلى الأرائك، فتبعها بخطوات مترددة.
- روز.

إستدارت إليه، ثم وقفت منتظرة منه أن يتحدّث.
- يمكنك.. إستعمال غرفة راشيل إن أردتي.
- لا عليك، يمكنك الاستمرار في إستخدامها.
- أ حقا.. لا تريدين الغرفة؟

أشاحت بنظرها بعيدا و كأنها تفكر مليا في الأمر.
- لا بأس، لا أظنني أحتاجها.
- غريب.

إفتر ثغرها عن ضحكة مكتومة ثم أكمل طريقها إلى أريكتها، و آدم خلفها.
- أظنك في حاجة إلى الغرفة أكثر مني.
- ماذا تقصدين؟
- بالكاد ترتاح في سرير لشخصين! الأريكة ضيقة عليك للغاية، و لا أظنك ستتحمل النوم عليها.

ردّ على كلامها ضاحكا.
- ربما.
- إضافة إلى ذلك، أنتَ فوضوي. للغاية! من الأفضل أن تبقى الفوضى في الغرفة، هذا أحسن. أ ترغب في سماع سبب آخر؟

رفع يديه مستسلما.
- أبداً. يكفي ما إكتشفته عن نفسي اليوم.

شرعت ترتب مكان نومها. إتخذ بضع خطوات متأنية نحوها، ثم سأل قبل أن يصل إليها.
- إذا، عدنا أصدقاء؟

إلتفتت إليه و حاولت إخفاء إندهاشها و إرتباكها، لكنها فشت و إفتضح أمرها عندما تلعثمت في جوابها.
- ربما.. أقصد.. لما لا؟! نحن كذلك. أصدقاء.

ضحك من ردّة فعلها، ثم طلب منها وهو يقف بالقرب منها، مفتوح الذراعين.
- هل أستطيع أن أضمك لبعض الوقت؟

وسّعت عينيها قليلا.
- عناق؟

أومأ ثم فتح ذراعيه أكثر و أخرج صدره، فانفجرت شفتاها عن ضحكة هادئة.
- هيا إذهب إلى النوم. لقد تأخر الوقت.

إقترب منها أكثر وهو يتنطط كالأطفال، و يصنع تعابير طفولية على وجهه، ثم يميل رأسه يمينا ثم يسارا.
- أرجركي. مم؟ لخمس ثوان فقط! مم؟ مم؟

قهقهت وهي تبتعد عنه كلما قفز و دنى منها، فاستسلمت أخيرا.
- حسنا! حسنا فهمت. خمس ثوان.

هزّ رأسه مرارا.
- خمس ثوان.

تبادلا النظرات لمدة قصيرة، ثم ضمّته إلى صدرها، فضمّها بدوره بكل دفئ، وهو يغلق جفنيه مبتسما. بدأت روز بالعدّ لكنها توقفت عند ثلاثة، ثم أطبقت جفنيها، و ضمته إليها كما حضنها.

بقيا متعانقين لأكثر من عشر ثوان، ما أضحك روز، فربتت على ظهره ثم قالت وهي لاتزال بين ذراعيه.
- لقد مرت أكثر من خمس ثوان.

ضمها إليه بقوة أكبر.
- لنجعلها خمس دقائق.

تراجعت و أبعدته عنها بلطف.
- إلى النوم. هيا.

ثم همّت بجفعه نحو الغرفة، وهي تردد.
- حان وقت النوم. هيا.

قال وهو يحاول إقافها لكن دون جدوى.
- خمس ثوان إضافية و أذهب لنوم.
- إلى النوم قلت! و إلا ستُعاقب.
- أُعاقب؟!
- أجل. تُعاقب!

الفصل التاسع و العاشر

تعليقات